قصة ضوء في اعماق الضلال بقلم منير الدايري

المغربية المستقلة  :بقلم  منير الدايري

في ليلة شتوية باردة، جلس ياسين في زاوية غرفته المظلمة، محاطًا بأوراقه المتناثرة وأفكاره الكئيبة. كانت الغرفة كونًا صغيرًا معزولًا، مضاءً فقط بضوء خافت من مصباح قديم يتأرجح على حافة المكتب. الأوراق لم تكن مجرد ملاحظات عشوائية، بل رسومات ومخططات لآلة غامضة كان يعمل عليها سرًا منذ سنوات: “مُولّد الأمل”، كما أطلق عليها. كان يعتقد أنها قادرة على تحويل مشاعره السوداوية إلى طاقة إيجابية، لكنه لم يجرؤ على تشغيلها بعد، خوفًا من أن تكشف عيوبه أكثر مما تخفيها. أعماقه كانت تعج بالمشاعر المتناقضة، فبينما كان يشعر بحبٍ كبيرٍ لنور، كان يدرك تمامًا أنه قد لا يستطيع أن يمنحها السعادة التي تستحقها.
كتب ياسين إلى نور عبر جهاز اتصال قديم، أشبه بتلغراف ميكانيكي صغير صنعه بنفسه:
“تتوهمين، فلن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين. أنا رخو، أزحف على الأرض. أنا، صامت طول الوقت، انطوائي، كئيب، متذمر، أناني وسوداوي. هل ستتحملين حياة الرهبنة، كما أحياها؟ أقضي معظم الوقت محتجزًا في غرفتي أو أطوي الأزقة وحدي. هل ستصبرين على أن تعيشي معي بعيدة كليًا عن والديكِ وأصدقائكِ بل وعن كل علاقة أخرى، ما دام لا يمكنني مطلقًا تصور الحياة الجماعية بطريقةٍ مغايرة؟ لا أريد تعاستكِ يا نور، أخرجي من هذه الحلقة الملعونة التي سجنتكِ فيها، عندما أعماني الحب!”
في تلك اللحظة، كان ياسين يشعر بأن قلبه محاط بجدران سميكة تمنعه من التواصل مع العالم الخارجي. لكنه سمع طرقًا خافتًا على نافذته. نظر إلى الخارج، فلم يجد سوى الريح تعصف بالشوارع الخالية. عاد إلى مكتبه، وفجأة، أضاء “مُولّد الأمل” بضوء أزرق خافت دون أن يلمسه، وبدأت الآلة تهتز وتصدر أصواتًا تشبه نبضات قلب ميكانيكي.
ثم وصل رد نور، ليس كرسالة مكتوبة، بل كتسجيل صوتي ظهر كصورة ثلاثية الأبعاد فوق الجهاز. ظهرت نور، بشعرها الطويل المموج كأنه نسيج من الضوء، وعينيها تلمعان بحزم ودفء، وقالت:
“ياسين، أنت تعتقد أنك ظلام، لكنني أرى فيك نجمًا يرفض أن يضيء خوفًا من أن يحرق من حوله. وإن كنت مجرد جثة في العالم، فأنا أحبك. لست هنا لأعيش حياة الرهبنة التي تخشاها، بل لأبني معك عالمًا جديدًا، حتى لو كان داخل جدران غرفتك تلك.”
توقف “مُولّد الأمل” فجأة، وبدأ يطبع ورقة صغيرة عليها رسم تخطيطي غريب: صورة قلب متصل بشبكة من الأسلاك والنجوم. شعر ياسين بدفء يتسلل إلى صدره، كأن كلمات نور قد تسربت إلى الآلة نفسها. في اليوم التالي، دعا نور لزيارته، ليس فقط للحديث، بل لتجربة الآلة معًا. عندما وصلت، كانت تحمل جهازًا صغيرًا من صنعها: “مُضخّم الضوء”، وقالت:
“إذا كنت تعتقد أنك مظلم، سأجعلك ترى نفسك كما أراك أنا.”
وصلا الجهازين معًا، وعندما شغّلاه، انفجر الضوء في الغرفة، ليس كإضاءة فقط، بل كمشهد كوني صغير: كواكب تدور، ونجوم تتشكل، وفي المنتصف، ظهرت صورتهما معًا، كأنهما مركز هذا العالم الجديد.
لكن اللحظة لم تدم. ظهر ظل غامض خارج النافذة، وصوت ميكانيكي بارد قال:
“لقد تجاوزتم حدود المشاعر المسموح بها. هذا العالم لا يقبل الضوء الزائد.”
كان ذلك صوت “حارس الظلال”، كيان غامض يراقب المدينة منذ قرون، يمنع أي محاولة لكسر التوازن بين النور والظلام. نظر ياسين إلى نور، وقال:
“هل أنتِ مستعدة لمواجهة الظلام معي؟”
ابتسمت نور وقالت:
“لقد واجهته منذ اللحظة التي أحببتك فيها.”
لكنهما قررا أن القتال ليس الخيار الوحيد. حمل ياسين “مُولّد الأمل” على كتفه، وأمسكت نور بـ”مُضخّم الضوء”، وانطلقا خارج الغرفة، عابرين أزقة المدينة المهجورة حتى وصلا إلى حافة الهاوية التي تفصل عالمهما عن المجهول. هناك، تحت سماء متلألئة بنجوم اصطناعية، أعادا تشغيل الآلتين معًا. تشكّل أمامهما جسر متوهج، كأنه نسيج من الطاقة النقية، يمتد إلى ما وراء الأفق.
عبر ياسين الجسر أولاً، مترددًا في البداية، لكن يد نور أعطته الشجاعة. عندما وصلا إلى الطرف الآخر، انفتحت بوابة ضخمة من معدن لامع تعكس وجوههما بطريقة غريبة، كأنها تكشف أحلامهما ومخاوفهما. عندما لمسها ياسين، انقسمت إلى أجزاء، وكشفت عن مدينة معلقة في الفضاء، تطفو بين السحب الملونة، مضاءة بأنوار تتحرك ككائنات حية. كانت الشوارع من زجاج شفاف يكشف عن أعماق لا نهائية، والمباني تتغير أشكالها كأنها تتنفس.
التقى ياسين هناك بـ”حارسة الأبواب”، امرأة ترتدي رداءً متلألئًا، وقالت:
“لقد صنعتَ مفتاحًا بقلبك، يا ياسين، ونور هي الضوء الذي جعل هذا المفتاح يعمل. كل بوابة هنا تؤدي إلى نسخة مختلفة من عالمك، لكن احذر: ليست كل الأبواب آمنة.”
نظر ياسين إلى نور، وقال:
“أينما ذهبنا، سأختار الطريق الذي يبقينا معًا.”
ردت نور:
“وأنا سأختار الطريق الذي يجعلك تؤمن بنفسك.”
اختارا أول بوابة، ودخلا معًا، لا يعلمان إلى أين ستقودهما، لكنهما متأكدان أن الحب الذي يجمعهما هو البوصلة التي سترشدهما عبر هذا السفر الكوني. شعر ياسين أن الظلام بداخله لم يعد عدوًا، بل جزءًا من قوة أكبر، قوة ستصنع منهما أسطورة في تلك العوالم الجديدة. كان الحب بينهما ليس مجرد شعور، بل طاقة ستغير قوانين الكون، أو ربما تفتح أبوابًا لم يتخيلها أحد من قبل.

Loading...