كتاب الرأى : كيف عرف مكان نصر الله ولم يعرف مكان السنوار

المغربية المستقلة  : الكاتب أيوب نصر/ باحث في الشأن الأوراسي

هذا المقال كتبته قبل أسبوع من الآن، أي قبل أن يسقط يحيى السنوار، لكن لا تثريب أن ينشر بعد مقتله، خاصة أن الرجل لم يتم الاغتياله، ولم يتم معرفة أن الذي قتل هو السنوار إلا بعد أن قتل وهو في حالة اشتباك، بل لم يتوقع أحد أن يكون في مناطق الاشتباكات أصلا.

كيف عرف مكان حسن نصر الله، وقادة فيلق الرضوان والآن جاري العمل على إغتيال قادة الحشد الشعبي، ولم يتم التوصل والعثور على مكان السنوار وهو الذي يقف على بقعة محدودة ويتحرك ضمن مساحة مغلقة؟؟، سؤال طرح كثيرا وتكرر فصولا، وهو سؤال منطقي ومعتبر، حقيق بكل صاحب عقل سليم ومنطق مستقيم أن يطرحه، ومن واجب على كل مشتغل بالدراسات الإستراتيحة والأمنية والعلاقات الدولية أن يقدم جوابا.

وحتى نقدم جوابا على هذا السؤال وبيانا شافبا كافيا لمن يطرحه، فلا بد من ييان أمر ابتداء، وهو أن الفرق بين الحزب الله والحشد الشعبي وبين حماس، هو أن الحزب والحشد هما تابعان لإيران، وأما حماس فهي ليست تابعة لإيران ولا تأتمر بأوامرها، وإنما يجمع بينهما الضرورة المحوجة والمصالح الحاضرة، ولنخلص إلى الجواب على هذا السؤال، فإن ذلك يقتضي أن نبين طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والغرض من هذه العلاقة.

طبيعة العلاقات الأمريكية الإيرانية

لعله يصعب على القارئ قبول أن تكون إيران يد الولايات المتحدة في الشرق  الأوسط؛ وذلك لأن القارئ تعوّد اعتبار إسرائيل هي اليد اليمنى لأمريكا في المنطقة، ولكن هذا ما أوصل إليه البحث والنظر المعنت، والاستقراء المتعب، في  توالي الأحداث، وتعاقب المستجدات.
كان يمكن للولايات المتحدة أن تقمع المشروع النووي الإيراني عسكريًّا، لكن على غير عادتها، فضلت الدخول في مجال المفاوضات الدبلوماسية، والضغوط السياسية، والعقوبات الاقتصادية، مع بيان فشلها منذ البداية، وحرصت على تمديد المفاوضات بشأن الأمر،  وإطالتها، ولا يمكن للولايات المتحدة  أن تكون على هذا القدر من الصبر، وسعة الصدر، والنفس الطويل، إلا في حالتين؛ فأما الأولى أن تكون بإزاء دولة قوية لها وزن عالمي وقوة ردع كبيرة، وإيران ليست من هذا الضرب من الدول، وأما الثانية فأن تكون أمام حليف، ولو في غير إعلان، وهذا ما ينطبق على إيران باعتبار أنها ليست من الضرب الأول من الدول.
ومما يزيد هذا الرأي قوة، ما حدث في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، حين اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس “قاسم سليماني”، وردت بعد ذلك إيران بأيام بقصف قاعدة بلد، التي كانت خاوية على عروشها!! ولم يكن فيها أي جندي أمريكي، مما يستدل به على وجود  اتفاق خفي مسبق بين الطرفين أولًا  (وقد صرح دونالد ترمب بذلك قبل أيام من إنشائي لهذه الكلمات)، ويستدل به ثانيًا على أن إيران ليست من الضرب الأول من الدول التي قد تهاب الولايات المتحدة الحرب معها.

وأزيدك بيانًا ومن البيت شعرا، أنه في الأيام الأخيرة لدونالد ترمب في البيت الأبيض، لم يكد يعلن تحريك أسطول جوي إلى الشرق الأوسط حتى تهافتت أصوات إيران، واختفت تلك النبرة المتحدية، والتعبيرات الهجومية.

وحتى ميول الإيرانيين نحو الروس في الحرب الروسية الأوكرانية، لم يكن إلا ميولا وتقربا مرحليا من أهدافه الضغط على الولايات المتحدة لمنحها مساحة أكبر في المنطقة وطلق يدها أكثر على دولها، وهذا ما إتضح من خلال إعلان الرئيس الإيراني من أمريكا خلال لقاءات الأمم المتحدة عن رغبته في التقارب أكثر مع أمريكا والغرب والعودة إلى الإتفاق النووي.

الغرض من هذه العلاقة

إن للصبر الأمريكي على إيران وتركها تطلق يدها في المنطقة وتتوسع فيها استراتيجيا له أغراض وهي:
الأول: هو أن الولايات المتحدة تحتاج أحيانًا إلى ورقة تضغط بها على إسرائيل، حين تخرج هذه الأخيرة عن طوعها، وتعمل وفق مزاجها الخاص في غير ما يخدم المصالح الأمريكية، فلا تجد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل، وكبح جماحها، غير ورقة إيران، ومشروعها النووي.
لهذا، دائمًا ما تعارض إسرائيل اتفاقًا بخصوص البرنامج النووي الإيراني، وتحاول دفع الولايات المتحدة إلى الحل العسكري، وهذا الذي لم يحصل حتى في عهد دونالد ترمب، مع أنه كثيرا ما شاغب الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وذهب عكس توجهاتها، لكنه في هذا الموضوع لم يفعل شيئًا، واكتفى بالانسحاب من الاتفاق النووي.

الثاني: من الأمور التي تجعل الولايات المتحدة تبقي على إيران، هو أنها تستعملها ورقة ضغط مع الدول العربية، التي هي مستعدة لدفع الغالي والنفيس لتتقي شر إيران، والولايات المتحدة تستغل هذا أحسن استغلال.

الثالث: الولايات المتحدة دائمًا ما تدعم الميليشيات من وراء ستار، ومن خلف الحجب المسدلة، من غير أن يكون لها تورط مباشر في ذلك، وهي تستغل إيران لتحريك والتحكم في مجموعة من الميليشيات والحركات العسكرية في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، وجماعة أنصار الله الحوثي.

وضوح الصورة

بالعودة إلى الغرض الثالث تتضح الصورة أكثر ونقترب من السؤال الذي أنشأنا هذا المقال للجواب عليه أكثر وأكثر، وذلك أن الولايات المتحدة هي التي تحرك الميليشيات وأذرع إيران في المنطقة من وراء الستر ومن خلف الحجب المسدلة، وهذه الحجب المسدلة وتلك الستر، هي إيران، وهذا يقتضي أن تكون الولايات المتحدة مطلعة على كل المعلومات الخاصة بتلكم الجماعات والمليشيات، ويسهل عليها تحديد أماكن قادتها ومواعيد إجتماعاتهم، وبالتالي الوصول إليهم واغتيالهم، وكما أسلفت في هذا المقال أن حماس ليست من وكلاء إيران، وإنما تجمعها معها الضرورة المحوجة، بل هناك جناح معتبر في حماس يرفض التعامل مع إيران نهائيا، ولهذا صعب العثور على مكان السنوار، إلى أن مات مقاتلا ومشتبكا.

 

Loading...