المغربية المستقلة: بقلم حدو شعيب
الورد البلدي المغربي تاريخ عريق وثقافة غنية
قليلون من يقدرون قيمة الورد، ويفهمون ما يرمز إليه كل نوع من أنواعه، وما يعنيه كل لون من ألوانه، لكن لا أحد يملّ من النظر إلى جمال الوردة الساحر أو شم عبقها الفواح. فالوردة تمتاز رائحتها بالعذوبة، وتوحي بالثّقة والكبرياء، وتزرع الأمل والسكينة، لما لها من دلالات ترمز للعاطفة والحب الصافي، ولما تحمله للنفس من نُبل المشاعر وعمق التأمل والانسجام. وهي تضج بالجمال، وتعبق بالعطر لتزهو وتختال به دون سائر الكائنات، فتجعل من نفسها سيدة الموقف العاطفي الإنساني الصادق، حين تتحول إلى رسالة حب أو كلمة شكر. ولذلك احتلت الورود بصورها المتعددة وألوانها المختلفة مكانة رفيعة في حياة الإنسان منذ بدء التاريخ، فقد عرفت زراعتها منذ القدم في الصين ومصر وبلاد العرب.
غير أن البعض يعتقد أن اهتمام العرب بالورود، وشغفهم بها، ظل محدوداً حتى اختلط بهم الأوروبيون الذين حملوا إليهم تقاليد الاحتفاء بالورود ورمزيتها في التواصل والتعبير عن العواطف. والحق أن مثل هذا الرأي لا يخلو من تعسف ومجانبة الصواب؛ فالعرب عشقوا الورد منذ قديم العصور، فتغنى بجماله شعراؤهم، واعتنى بزراعته مُزارعوهم، وأبدع في تقطيره صنّاعهم، واهتدى إلى أسراره العلاجية أمهر أطبائهم. ويكفي أن ملك الورود الذي ساد على أقرانه، وسما بينهم بجمال ألوانه وعبق روائحه؛ حمل اسم مدينة عربية عريقة، لها السبق الحضاري والثقافي، فَوُسِم بالورد الدمشقي الذي بالرغم من انتشاره في مناطق كثيرة من العالم إلا أنه ما زال محتفظاً باسمه في العديد من اللغات العالمية.
الوردة الدمشقية.. تاريخ وتقاليد
تعد هذه الوردة أنبل وأعظم زهرة أوجدها الله في الطبيعة، فهي الأكثر جمالاً بين قريناتها، وهي الرمز الأسطوري للحب، والصفاء، والكمال، منذ آلاف السنين. وهي الأقدم وفقاً لشهادة مختلف الحفريات التي تقدر حضورها على كوكب الأرض منذ الزمن الجيولوجي الثالث، أي قبل أكثر من أربعين مليون سنة.
ومع أن أنواعاً كثيرة من النباتات تمارس سطوة على روح الإنسان، وتوقظ في دواخله عالماً مسكوناً بالعواطف والذكريات، فإن هذه النبتة العطرية حظيت بأهمية ثقافية ودينية فريدة منذ فجر التاريخ الإنساني، فلونها الأخاذ ورائحتها الزكية تدعو الإنسان للنفاذ إلى أعماق روحه، والسفر بها نحو الجنة التي غادرها، والتي لن يكتمل جمالها وبهاؤها إلا بعودته إليها، تلك الجنة التي تملؤها روائح الورد والمسك والقرنفل.
يسجل التاريخ أن ثقافة الورود سادت لدى شعوب الصين منذ خمسة آلاف سنة قبل عصرنا. وظلت زراعتها تتسع حتى وصلت حداً جعلت أحد أباطرة سلالة هان يصدر أمراً إمبراطوريا بتقييد زراعتها، لأنها انتشرت فوق الأراضي الخصبة بشكل هدّد الإنتاج الغذائي.
وفي مصر استعملت الورود منذ آلاف السنين لتزيين قصور الفراعنة، وتحنيط جثثهم. واكتشف المصريون طريقة تقطيرها واستعمال مائها في تركيب العقاقير ومستحضرات التجميل. ويذكر المؤرخون أن كليوباترا كانت شديدة التعلق بهذه النبتة العطرية، وفي ليلة لقائها مع مارك أنطوان، غطت أرضية غرفتها بطبقة سميكة من بتلات الورود، ذات الروائح الشذية، كي تستحوذ على قلبه.
أما في أوروبا، فتعد لوحة جدارية في قصر كنوسوس بجزيرة كريت يعود تاريخها إلى 2000 قبل الميلاد؛ أقدم دليل على آثار الوردة الدمشقية بهذه القارة. وكان من عادة الناس في روما أن يعلقوا أكاليل الزهور، حيث كانت الورود هي الأكثر شعبية في المناسبات والولائم. وكان من واجب المضيف أن يحيط الضيوف بأكاليل الورود والزهور، ويمطرهم بعشرات الكيلوغرامات من بتلات هذه الزهرة المقدسة. غير أن هذه النبتة اندثرت بعد ذلك، ولم تتم إعادة اكتشافها إلا خلال الحروب الصليبية، حيث أُخِذ الصليبي روبرت دي بري بجمالها الساحر وعطرها المسكر، فجلب، أثناء حملته عام 1254م، بعض العينات التي زرعت في مناطق مختلفة من القارة. وتعتبر اليوم الوردة الدمشقية في بلغاريا من أجود أنواع الورود في العالم بفضل إنتاجها لزيوت عالية الجودة.
يبدو إذن أنه أتى على الورد حين من الدهر لم يعد يحظى بالأهمية التي نالها في العصور القديمة، وبخاصة في المناطق التي عاشت نكوصاً حضارياً. وفي المقابل حظي الورد بعناية خاصة في المنطقة العربية بفضل التدفق الحضاري والازدهار الثقافي للمنطقة خلال العصور الوسطى. لقد اعتبر العرب الورد سلطان الزهور، ونصبوه ملكاً بلا منازع عليها. وتغنى شعراؤهم بجماله، واكتشف أطباؤهم أسراره العلاجية، ونقلوا زراعته إلى المناطق التي وصلوا إليها عن طريق الفتح أو التجارة. وكانت الحدائق الملكية من بغداد إلى قرطبة تتزين بألوان الورود وعبقها. ومن قلب العالم العربي انتقلت (الوردة الدمشقية) إلى أصقاع بعيدة من العالم، من ألاسكا وسيبريا، إلى أفريقيا الشمالية والهند.
الورد رمز مليء بالتاريخ والذاكرة في الثقافة العربية. وهو يحيل إلى معاني متنوعة ويسمح لعوالم مختلفة بالتواصل فيما بينها. فإضافة إلى تفاعلاته مع السلوك العاطفي للإنسان التي تتكشف مع اقترانه بالحب والشباب والصفاء والكمال، واعتباره مادة تجارية مربحة؛ نال الورد أهمية ثقافية ودينية حين اعتبر ماؤه العطرَ المفضل لغسل الكعبة وتعطيرها، إضافة إلى استعمالاته العلاجية في عدد غير يسير من الأمراض. ولهذا فاز بتقدير وإعجاب كل الفئات من فقهاء وشعراء وتجار وأطباء.
ومع أن الإنسان استطاع، في الوقت الحاضر، إنتاج أصناف متعددة من الورود عن طريق التزاوج بين أنواع مختلفة، أو عن طريق التهجين، حيث يعتقد أن هناك أكثر من 250 صنفاً من الورود في جميع أنحاء العالم، (30 نوعاً منها فقط هي ورود عطرية، وثلاثة فقط يمكن تقطيرها)؛ فإن الورد الدمشقي لا زال يتربع على عرش مملكة الورود العالمية.
الورد في الثقافة المغربية
اشتهرت الوردة الدمشقية في المغرب باسم (الورد البلدي). وتحيل كلمة (البلدي) في الثقافة المغربية إلى معان متعددة، فهي تعني المنسوب للبلد بمعنى المحلي، كما تحمل معنى البرِّي، أي النبات الذي ينمو في البرية. ولا يعرف بالتحديد تعاطي المغاربة لزراعة هذه الورود العطرية، غير أن هذه النبتة الجميلة تشبه إلى حد كبير الورود العطرية التي يتم إنتاجها في دمشق والطائف وإسبارطة التركية، وهي التي تضاهي في جودتها ومنافعها الورود العطرية المنتسبة إلى مناطق جغرافية أخرى في أوروبا وآسيا. والمؤكد أن المغاربة عرفوا الورود في العصور القديمة، فقد استعمل الأمازيغ ماء الورد وبتلاته في الطقوس الدينية والسحرية، كما استعملوه بغرض التجميل وعلاج بعض الأوجاع. وما زالت كثير من التقاليد في الجبال الأمازيغية تحافظ على هذا الموروث…. يتبع
