العنصرية: اشكال وأنواع بقلم حدو شعيب

المستقلة المغربية : حدو شعيب

لم يكن ما دعا اليه الإطار الصحي الفرنسي مجرد حادث عابر وتعبير مشين لبعض العنصريين الغربيين تجاه افريقيا خصوصا ، بل هو واقع حقيقي للعلاقات الإنسانية في هذا الزمن الرديء، نعم الرديء لأننا أمام تشكلات ثقافية إن أمعنا فيها النظر وبتجرد نجدها حبلى بكل اشكال العنصرية وينبعث منها طغيان لا حد له كيف ؟
أولا أريد أن أنبه القارئ الكريم اني لا أدعي العلم او الخبرة في الموضوع، وإنما هي مجرد نظرة شخصية للأمور نابعة من قناعة تتلخص في إن أردنا وضع اطار مبسط للعنصرية حتى نتمكن من جرد سطحي على الأقل لكل الأفعال والأقوال التي قد تدخل في ذلك الإطار، لن نتوانى في وضع عنوان بسيط : العنصرية هو كل تصرف فعلي او ضمني، صادر من فرد أو جماعة، يخرق الحدود الفاصلة بين حقوق فرد أو أفراد وحقوق غيرهم …
حقوق الأفراد والجماعات تعني : كل فرد حر داخل حدوده وتنتهي حقوقه المشروعة متى ابتدأت الحقوق المشروعة للآخرين… طبعا الإنسان إجتماعي، ولا يمكنه العيش منعزلا… هذا لا يعني بتاتا أن ايا من الحقوق متعارض مع الأخر، للجماعة على الفرد حقوق وللفرد على الجماعة حقوق … كذلك هي الواجبات.
إذن من هذا المنطلق، أعتقد أنكم ستتقاسمون معي هذه النظرة، الناس كلهم سواسية في الحقوق والواجبات ولا فضل لاحد على أحد والمعاملات المتداولة بين البشر هي عن طيب خاطر والحقوق مصونة والواجبات كذلك بقوة القانون … بالاضافة إلى هذا الإختزال هناك الشق الآخر الذي يؤطر الفرد أي ان كل شخص يختلف طبيعيا عن الآخر، حيث نختلف في الجنس واللون والشكل والجينات وتاريخ ومكان الولادة والمعتقد ناهيك عن المسار التربوي والثقافة المكتسبة والمحيط الذي نترعرع فيه والفرص المتاحة… كل هذه الأمور تجعل من إختلافنا أمر حتمي لا مفر منه، ومن أنكره فهو مجرد أناني لا يرى العالم من حوله إلا وفق منظوره الخاص… لا استثني هنا من هو في حالة غير طبيعية من الناحية الفيزيولوجية، وخصوصا المصابون على مستوى التفكير، لأن الأهم في الكائن البشري هو دماغه، هؤلاء معفيون من كل تبعات الحدود وهم بذلك على عاتق الجماعة مسؤولة عن راحتهم أولا ثم حقوقهم ثانية دون انتظار منهم واجب.
لكن المجتمعات، في صورتها الماكروسكوبيكية، تتكون من الأفراد على اختلافهم وهنا تكمن المشكلة بالضبط، كيف يمكن تأطير الأفراد والحفاظ على مساحاتهم الفردية داخل المساحة المتاحة للمجتمعات ؟ كما ان المجتمعات بدورها طبقات، مجتمع ميكروسكوبي، ومجتمع أكبر ثم أكبر إلى المجتمع الميغا او الجيغا الخ. هذه التراكيب تتداخل فيما يبينها على جميع الأبعاد، في كل شيء : اقتصاديا وقانونيا وسياسيا وسوسيولوجيا وما الى ذلك … على هذا النحو، إذا ما افترضنا ان الحدود المحددة للحقوق صلبة وغير قابلة للتكيف نكون في وضع كارثي، إذ الإصطدام يصبح حتميا والحرب ستستعر من قبل الجميع، لأن الأفراد كما المجتمعات ترى ان حدود حقوقها تنتهك .!!!؟؟؟
ما العمل إذن ؟ العمل الوحيد المتاح إذا أمام البشرية كي تتعايش في سلم مطلوب وممكن هو البعد الأخلاقي والقيم… كيف؟ منذ القدم، منذ بداية تشكل المجتمعات وتجمع الافراد والناس، على اختلاف أماكن تواجدهم، يبدعون في رسم الخير والشر … وعلى أساس شكلي هذا الثنائي تم وضع القوانين وترسيم حدود حقوق الأفراد والمجتمعات على اختلاف طبقاتها … ولم تكن المعتقدات خارجة عن هذا الإطار، بل أعطتها زخما أكثر وقوة أكبر حينما رسخت البعد الأبدي للخير والشر وللحقوق والواجبات كما لوجود الأفراد… إذا بات خطي الخير والشر بمثابة المعلم لهذا الفضاء اللامتناهي المحتوي لتراكيب الحقوق والواجبات أيا كانت للأفراد كما للمجتمعات…
تدخل القيم والاخلاق جعل للحقوق وللواجبات حدودا مرنة على عكس القانون الذي يؤطر بحدود من حديد… الحدود المرنة تستطيع التكيف وفق الزمان والمكان، قدد تتقلص حينما ينكمش المكان وقد تتمدد حينما تكون المساحة متاحة … كما انها تتسع لمفاهيم جديدة دون ان تتمزق وهي بذلك الوعاء الذي جعل من الحقوق والواجبات مؤطرة دون لبس وتتسع للجميع وتتيح العيش الكريم للجميع …
ما علاقة كل ما ذكرت بموضوع العنصرية ؟ في الحقيقة لا استطيع الكلام عن مفهوم متداول على اوسع نطاق الا وهو العنصرية دون ان اضع لنفسي تركيبة هندسية تجعلني على بينة مما اقول، وإلا لن يكون لفهمي للموضوع سوى مفاهيم لا تستحق اصلا التفكير فيها…
لنعد لصلب الموضوع.
إني لست كالاقتصاديين الذين يخافون المستقبل ويخافون من تكاثر البشر ومن نقص الموارد ومن الكوارث ومن ومن … لاني بكل بساطة أعتبر ان الفضاء الذي يجمعنا هو كوكب الارض ومنذ القدم، كل ما يقع عليه مجرد تحول لا متناهي لا ينقص الأرض ولا يزيدها شيء … باستثناء ما قد ينبعث من الارض الى الفضاء الخارجي أو قد يسقط عليها كالشهب والنيازيك، فهي عبارة عن نظام مغلق متكامل يتلقى طاقته من الشمس ومن انبعاثات النجوم والكواكب الاخرى … من الناحية المادية، ما دامت الارض في مدارها الميكانيكي، فهي في توازن الى ان يرث الله الارض ومن عليها …
وعليه، كل ما يفعل البشر مجرد تحول داخلي للنظام، فحتى لو صار سكان الارض اكثر من 1000 مليار شخص لن يزيدوا ولن ينقصوا الارض وزنا … قد تتعقد كما قلت سابقا التراكيب المجتمعية والحدود المؤطرة، وهي مسألة “سوفت” وليست “هارد” بلغة الاعلاميات ، لكنها لن تغير شيء من تكوين الارض … نسب المعادن هي هي ونسب المياه كذلك ونسب الهواء هي هي … تتحول فقط…
لهذا السبب، أريد أن أطعن، من منظور شخصي، في النظريات الاقتصادية… لأني أراها هي السبب الرئيسي في كل بلاء … في كل شيء… على أساس النظريات الاقتصادية تقسم المجتمعات وتقسم الارض ويقسم الافراد حتى داخل الاسرة الواحدة … ومن تم تتكون الاخلاق والقيم المزيفة، التي عوض من أن تؤازر التواجد البشري بروح تجعل من التعايش ممكنا وفي أحسن الاحوال، تتحول إلى سلاح فتاك يقطع الرؤوس… نعم، ما يعيشه العالم الآن هو نتيجة لنظريات متآمرة، استغلها مهووسون ومرضى النفوس تنحصر رؤيتهم في حدود أنوفهم… يبثون الخوف والرعب بين البشر … لربما خوفهم ورعبهم الدفين في اعماقهم يتجلى في تصرفاتهم …
هكذا إذن أريد أن أتقاسم معكم وجهة نظري حول موضوع العنصرية، العنصرية أصدقائي تمظهر لنظرتنا لبعضنا البعض، لها اشكال وتمظهرات مختلفة، أساسها نظرة أنانية فردية مبنية على نظريات إقصائية اقتصادية كانت ام اجتماعية… وهي فعل مقيت يتعارض مع الفطرة السليمة للكائنات وما بالك للبشر، السبيل الوحيد لتحاشي هذا الفعل الحاط من قيمتنا هو الإدراك بحجمها المتماهي في وجودنا الحالي والموروث تاريخيا … العنصرية أشكال وألوان، متى ضخمت من الانا فتلك عنصرية، ومتا استأثرت لنفسك شيئا فتلك عنصرية ومتا رفضت إختلافك عن الآخرين فتلك عنصرية ومتا ظننت أنك على حق فتلك عنصرية ومتا أجزمت أن شخص على خطأ فتلك عنصرية …
العنصرية إذن متفشية بيننا على جميع المستويات… قد تخف في المجتمعات المتحضرة التي تحترم قوانينها لكنها تتقوى في المجتمعات الفقيرة المتصارعة المهملة للقوانين … قد تنمحي كليا في مجتمع متحضر متشبع بالاخلاق وبالقيم لكنها تتعاظم اينما اختفت القيم والاخلاق.
على قدر اخلاقنا وقيمنا تكون العنصرية بيننا … فلنكن صرحاء
هل نحترم القوانين وما بالك بتقيدنا بالاخلاق والقيم ؟ في نظري نحن غارقين في أنانية وانحطاط أخلاق … كيف لنا كمجتمع ذو ثقافة مرتكزة على الترتيب الطبقي المادي أن نكون مجتمع أخلاق أو قيم ؟ نحن نريد لبيوتنا ان تكون نظيفة ولا نعير اهتماما لفضاءاتنا العمومية … نريد من حقوقنا ان لا تضيع ولا نتوانى في سلب حقوق الآخرين … نريد أن نتمتع ولا نريد نعمة لغيرنا … نريد أن يسود رأينا ولا نريد لرأي آخر مكانا … نكذب ونختلق القصص ونتلصص وننافق من أجل الحفاظ على مصلحتنا ونختلق جميع الاعذار لنضيع مصالح الآخرين ….
وعليه، وفي الاخير ما قام به الفرنسي لا يختلف كثيرا عن ما
يقع بيننا وفي كل بقاع بالعالم، الغني جدير بالحفظ والصون والخوف على حياته وماله، أما الفقير لا قيمة له، يصلح للتجارب وللأشغال القذرة … الفقير يرى الأغنياء أعداء ولن يستقر له خاطر حتى ينتقم والآخرون يرون أنفسهم في خطر ويريدون الإستفراد بالحياة …

Loading...