“النمس” إعادة ظبط الواقع بعيون المتخيل : بقلم حمزة الصمدي

المغربية المستقلة: حمزة الصمدي قاص وباحث مسرحي

“النمس” إعادة ظبط الواقع بعيون المتخيل

باسم إله الركح اللعين أكاتبك
من مظلوم مجار، إلى سلطان المسرح و الفن .
الموضوع : شكاية بالمسمى “أمين ناسور” و عصابته.
المناسبة : عرض لمسرحية ” النمس” .
وبعد،
علاقة بالموضوع أعلاه، شاهدت في ما سلف عرضا لمسرحية “النمس” سلب مني القدرة على التفكير و الوعي، و سقطت طريح صراع بيني و بين قريني، أقول له : لا يجدر بي أن أخط بيراعي شكاية، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ فيرد : و من غيرهم، هم الذين قضوا مضجعك و أسقطوك أرضا و أجبروك بمراجعة مفهوم الجمال و الإمتاع و الألفة و الاتساق، أكتب و لا تخشى أحدا ، أمسكت قلمي و بدأت…
مولاي السلطان، إن “النمس” سمفونية ناسورية خطيرة على مشاهديها، إنها السحر عينه، إنها الفتنة التي تفوق القتل.
إن ما شاهدته لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون عملا إنسيا مجردا من خوارق و قوة خفية، إن “النمس” مولاي السلطان تحدي من مبدعها “أمين ناسور” و عصابته الخطيرة : “عبد الله ديدان”، “منية المكيمل”، “هاجر الشركي”، “عبد لله شيشة”، و “حسن مكيات”، لجمهور العرب و الخليج، إنها عملية مسلحة لإثبات سيادة المسرح المغربي في مملكتكم المظفرة، إنها تمرد على القواعد المتعارف عليها في دستوركم المحفوظ، إنها علبة و مختبر تجريب أخرج العجب العجاب، من أنابيبه و كؤوسه، ذلك بتوليفة منقطعة النظير بين مكونات العرض المسرحي العامة، و تداخل محكم التنزيل بين الحكي و التجسيد، باعتبارهما محركين لا غنى عنهما في الركح اللعين، مع إشراك موسيقى متناهية الدقة و البديع، فنسكر بخمرتهم إن هم غنوا، و نذوب في نعومتهم إن هم حكوا، و نأسر قسرا إن هم مثلوا و حلوا.
بداية بالنص، لمبدعه ” عبد الإله بنهدار” و الذي هو قرع رقيق على زجاج قابل للكسر، عبر شخصية “رحال العوينة” أو “النمس”، موضحا الجدلية الفلسفية العميقة بين المرغوب غير الملحوق، و الملحوق غير المرغوب في صراع بين الواقع و المتخيل في رغائبنا و حاجاتنا و ميلنا لتصديق سراب الوهم، مدججا نصه باستحضار الرقابة الصحية “الشرطة الافتراضية” للفصل في الواقعي المرفوض، و الخيالي المرغوب، هو إن صح التعبير من نوعية النصوص التي تستسقي متعتها باكتمال صورها و نضجها فوق الركح.
مرورا بالسينوغرافيا، التي كانت من إبداع المتألق و الأكاديمي “طارق الربح” فكانت إجابة مقنعة على سؤال المؤلف : كيف يمكننا ربط هذه الأزمنة الأسطورية، الأرسطية المتداخلة دون أن نفقد خيط المعنى و سكة الوصل، فكانت توليفة ذكية، بالغة الإتقان و الحرفة، متحركة، متنقلة، ذات دلالة تخدم إرادة المؤلف و رؤية المخرج و ارتياح الممثلين و إبهار الجمهور، فكانت النتيجة هكذا…
وقوفا عند الملابس، التي كانت من تصميم المبدعة “سناء الشداد” و التي كانت خطابا تجديديا، تحديثيا، ربما ليعكس توجه المسرحية العام، فشاهدنا مزجا متناغما مؤنسا، بين التقليدي التراثي، و الحديث الجديد ( الطربوش الأحمر/ قبعة شمسية، الجلباب/ القميص …إلخ) فكانت موفقة في اختيارها حد الإمتاع و الاستمتاع و فرضت ذاتها كمغردة في سرب العصابة : ” الجانية و المجرمة “.
وصولا إلى التشخيص، الذي وزع على الشكل التالي: في دور “رحال العوينة النمس” الألمعي “حسن مكيات” الذي كان حضوره أشبه بحضور الملح في الطعام، فاستحق أن يكون “نمسا” بحد تعبيره، لمسنا فيه و منه ذلك الصراع الفكري و السيكولوجي الذي ظهر فسيولوجيا عبر صوت مميز، و حركات مضبوطة، و نفسية تلائم و تستدعي “رحال العوينة” و تغيب و تطرد”حسن”… ثم في دور “الحسنية” المتألقة “منية المكيمل” المرنة و المتعددة الوظائف و الصور، استطاعت أن تقنعنا بموقف “الحسنية” السلطوي القويم، فأمتعت و أقنعت و كانت طائرا خفيف الجناح، رفرف نحو أفئدتنا و اقتحمها و جعلها أعشاشا نواعم… و في دور “الزوجة الافتراضية” و دور “هيام اللبؤة” و دور “كحل العيون” الرائعة “هاجر الشركي” التي ما كدنا نصدق تنقلها السريع و المحكم، البالغ في الإبداع و التقمص -اليوناني التطهيري – الكلي للشخصيات الثلاث، فكانت في كل واحدة “هاجر” أخرى، فجعلت الإعجاب إعجابين بصوتها العذب الرقراق صادحة بأغنيات هزتنا و حلقت بنا إلى عوالم خفية من الإمتاع و المؤانسة… ثم في دور “الشرطي الإفتراضي 1” الرائد الأستاذ “عبد الله ديدان” الذي أمتع عبر صور تجريبية جميلة و عبر خروج عن المألوف، لكنه أثرنا بمتعة زائدة في دور “الحسن فيك” فكان “عبد الله” الذي نعرف : المسرحي الحاضر بقوة، الذي ينقلك من كرسيك من الأردن، إلى ساحات مراكش أو الرباط أو فاس… و في دور “الشرطي الافتراضي 2” و دور “عماد الكاطيفا” الجميل المبدع، “عبد الله شيشة” الذي يدهشنا بهدوء لافت و بأدوات لامتناهية، كلها وسائل تجعله مغردا أخر داخل العصابة…
بإيعاز عن كل هذا، لا يختلف عاقلان على أن بين الشخصيات خيط رقيق و رفيع، يربط الأول بالثاني، و الثالث بالرابع و كذلك دواليك، على نحو متشابك مترابط منتظم، ألا و هو الانسجام و وحدة الإيقاع كمكون إضافي في مسرح “ناسور”، طبعا كل هذا التناغم، لا يمكنه الحصول عبثا، فوراء هذه العصابة يقبع الرئيس و العقل المدبر، مخرج المسرحية و مبدع السمفونية ،الكبير – حجما – كما قدرا و قيمة، الأستاذ “أمين ناسور” الذي جمع بين هذه المكونات في قالب ملهاتي أسود ساخر، موظفا المدارس العبثية و التجريبية، فنجح كعادته في خلق نسق ممتع بعيدا من التقليد قريبا من الابتكار، مواصلا بذلك مسيرته التي يمكن أن نوسمها ب “نايضة” كموجة الجيل و تيمته و ميزته، حملها على عاتقه كما حمل قبله تيمات عصرهم ( ناس الغيوان و الظاهرة الغيوانية )، عبر تجاربه الإخراجية منذ مشروع تخرجه “فدان عبد الرحمان” مرورا “بخالفة” و “المبروك” “شابكة” وصولا “للنمس” …
ختاما أطالب مولاي السلطان بنصرتي، و بالحكم على المدعى “أمين ناسور” و عصابته، بأقصى العقوبات، بجائزة العمل المسرحي المتكامل، في محكمة الهيئة العربية للمسرح، و لمقامكم واسع النظر .

Loading...