المغربية المستقلة : بقلم سعيد عبد اللاوي

تقف فتاة على حافّة النهر تُمسك حبلاً يتدلّى منه دلو صغير كانت قد رمته بقعر النهر الهاوي لتسحب به الماء.
يمُرّ شاب من الضفة المقابلة للنهر يركب درّاجة هوائية ذات عجلتين كبيرتين. ومن بعيد يتبادلان نظرات رومانطية، نظرات تُغرقهما في دوّامة من الشرود. فجأةً تتعثّر العجلة الأمامية للدرّاجة بحجر مرصوف بالطريق الترابي، فيفقد الشاب السيطرة والتوازن على مقود الدرّاجة ليقع أرضاً.
تبتسم الفتاة إبتسامةً خجولة ساخرة واضعةً يدها اليسرى على فمها. فجأةً ينفلتُ الحبل من يدها لتتحوّل الإبتسامة الخجولة والساخرة إلى عياط مشوب بنحيب.
يقوم الشاب من مكانه. ينفض الغبار عن سرواله العريض، وعن تلاليب قميصه الأبيض، ثم يركض باتجاه النهر، وهو يقول في سريرته بصوت مشحون ببروتُون الحبّ:
-“لا تخافي، أنا هنا..”
يقف على حافّة النهر مُظهراً رباطة جأش. بَيْد أنّ جسارته سرعان ما تتبدّد وتتلاشى عندما يكتشف أنّ قعر النهر هاوي أكثر ممّا كان يتخيّل. ينظر إلى الفتاة التي وقفت على الحافّة تُراقب دلوها السابح بقعر النهر مثل ذكر البطّ.
يتجسّر أكثر. يتقهقر بضع خطوات إلى الخلف، ثم يركض بسرعة ليقفز في النهر. وكسبّاح ماهر يدرّع باتجاه الدلو ليمسك به، ثم يصعد عبر الدرجات الترابية مستعيناً بأغصان الطلح واليراع. تتأدّى يداه من أشواك الطلح الإبرية، لكنه لا يحفل. يقف أمام الفتاة التي أوقفت نحيبها وراحت تتأمّله بنظرات حُبّ وإعجاب.
يمدّ لها الدلو وهو ينظر إلى عينيها الباكيتين. تحتضن الفتاة دلوها الصغير بكلتا يدايها. يزلق الشاب يده بطريقة متعمّدة. تتلامس يداهما. إعصار عارم من الخجل يجتاح الفتاة لحظتها. تتضرّج وجنتاها، فتغضّ الطرف. يواصل الشاب تمرّده وخرقه للقيم والمبادئ التي نشأ عليها منذ الصبَا. يكسر الصرح الذي انتصب بينهما. يميط الغطاء عن رأسها، فيتدفّق شعرها الفاحم خلف ظهرها كذيل الحصان. يقترب منها أكثر، فيطبع قبلة صغيرة على خدّها الأيمن، ثم يطبع واحدة أكبر بقليل على خدّها الأيسر. تبتسم الفتاة في خفر، ونظراتها ملتصقة بالأرض. تستسلم لحركاته الماجنة. يتوقّف الشاب هذه المرّة بنظراته أمام شفتيها اللتان بدتا له وكأنهما وردتان حمراوان تنموان وسط غابة من أشواك الطلح. يقترب منها ثغرها الصغير ليقتطف الوردة الأولى، لكنه يتوقّف فجأةً عندما يتناهى إلى مسمعه صراخ حادّ آتٍ من الخلف. تنزلق الفتاة من بين يديه مثل سمكة حديثة الصيد. تعيد إحكام الغطاء على رأسها، وهي تهرول فارّةً بجلدها.
هو الإحساس البديهي الذي جعل الشاب يركض بسرعة جنونية دون أن يلتفت خلفه. هو الإدراك التام بأنّ الصوت الصاخب الذي يدنو إليه ما هو إلاّ بركان من الغضب يحصد الأخضر واليابس، ما هو إلاّ أب جنّ جنونه أمام صفاقة التصرّف. ولمن عاين المشهد من بعيد أو قريب، فقدْ بدا له الأب الحانق مثل أسد يطارد غزال وسط غابة.
تستمرّ المطاردة بين الأب الحانق والشاب الفزع لدقائق، وبعد مسافة من الركض يتوقّف الأب الذي تخونه اللياقة البدنية في الأمتار الأخيرة، فيعتريه عياء شديد. يلهث قليلاً وهو يضع يديه على ركبتيه. في تلك اللحظة تقع عيناه على حجر مكوّر نتأ بين قدميه المعفّرتين بالتراب. يحمل الحجر ثم يقذفه بإتجاه الشاب -إنها مجرّد حركة بائسة للتنفيس عن سورة غضبه- ينطلق الحجر مثل نيْزك أطلقه منجنيق يشقّ الهواء لينتهي به المطاف على ظهر الشاب الذي كان ما يزال يركض هرباً بجلده، فيصدر صوتاً غريباً أشبه بالتجشّأ والكرير (أأع).
