المغربية المستقلة : الصحفي نحيب النجاري
من صرخات الجد عبد الكريم زهران إلى أحلام القلعة الحمراء.. حكاية موهبة كروية صغيرة تحمل في خطواتها ذاكرة عائلة عشقَت الوداد.
ليست كل الحكايات الكروية وليدة المستطيل الأخضر، فبعضها يبدأ من دفء العائلة، ومن حكايات الأجداد، ومن عشق يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل. هكذا تبدو محمد غالي الخلفي ، الطفل الودادي الذي خطف الأضواء داخل نادي الوداد الرياضي البيضاوي، وهو يشق طريقه في عالم كرة القدم بخطوات واثقة، حاملاً معه أكثر من مجرد موهبة؛ إنه يحمل ذاكرة عائلية تختزل فصولاً من الحب والوفاء للفريق الأحمر.
منذ نعومة أظافره، كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة في محمد غالي الخلفي . فقد وجد نفسه مشدوداً إلى سحر المستديرة، مدفوعاً بنداء ماضي جده عبد الكريم زهران، الذي لا تزال سيرته حاضرة في ذاكرة من عاصروه، ولا تزال الألسن تستحضر بمهارة وإعجاب ما قدمه خلال سبعينيات القرن الماضي.
لقد كان عبد الكريم زهران، بحسب شهادات من عرفوه وعاشروه، واحداً من الأسماء التي تركت بصمتها في الملاعب المغربية ، حتى إن اللاعب الدولي السابق رحمه الله الظلمي عبد المجيد أشاد، وفق ما يُروى عنه، بمؤهلاته الكروية الاستثنائية، معتبراً إياه من اللاعبين الذين يصعب أن يجود الزمان بمثلهم. وهي شهادة تختصر حجم الموهبة التي امتلكها الجد، وتمنح حكاية الحفيد بعداً يتجاوز حدود المصادفة.
من عشق الجد إلى حلم الحفيد
لم تكن صرخات الجد في مدرجات الوداد مجرد تعبير عابر عن الحماس، بل كانت نبضاً متواصلاً لعشق متجذر في الوجدان. ومن ذلك الشغف، تشرب محمد غالي الخلفي الصغير روح الانتماء إلى القلعة الحمراء، وتعلّم أن قميص الوداد ليس مجرد لباس رياضي، بل رمز لتاريخ عريق وجمهور لا يقبل إلا بالعطاء والإخلاص.
وبين حكايات الماضي وطموحات المستقبل، وجد الطفل نفسه يسير على خطى جده، وكأن الأقدار أرادت أن تمنح قصة عبد الكريم زهران امتداداً جديداً داخل النادي الذي ظل حاضراً في وجدانه.
هكذا تحولت الذكريات إلى حافز، والعشق إلى طموح، وأصبح المستطيل الأخضر فضاءً يختبر فيه الطفل قدراته، ويترجم من خلاله أحلاماً بدأت تكبر معه يوماً بعد آخر.
اللاعب الدولي حسن بنعبيشة يلتقط الموهبة.. والوداد يفتح الأبواب
وفي مسار هذه الرحلة، برزت موهبة محمد غالي الخلفي ، لتلفت انتباه اللاعب الدولي السابق والمدرب حسن بنعبيشة، الذي ارتبط اسمه باكتشاف المواهب وصقل قدراتها. وكان التحاق الطفل بفئات الوداد، وهو في سن العاشرة، محطة مفصلية في مسيرته الكروية، وبداية مرحلة جديدة من التكوين والتأطير داخل أحد أعرق الأندية المغربية.
لم يكن بلوغ هذه المرحلة مجرد خطوة عادية في حياة طفل يعشق كرة القدم، بل كان انتقالاً من فضاء الحلم إلى فضاء العمل الجاد، حيث تصبح الموهبة بحاجة إلى الانضباط والصبر والتدريب المتواصل، حتى تتحول الإمكانات الواعدة إلى أداء متميز.
ولعل ما يمنح حكاية محمد غالي الخلفي خصوصيتها هو اجتماع ثلاثة عناصر في مسار واحد: موهبة الطفل، وذاكرة الجد، والانتماء إلى الوداد. وهي عناصر تصنع من قصته مادة إنسانية ورياضية تستحق المتابعة، بعيداً عن المبالغة التي قد تحجب حقيقة أن الطريق نحو النجومية يحتاج إلى الكثير من العمل.
طفل اليوم.. وأمل الغد
إن وصف زهران بالطفل الأيقونة لا يستند فقط إلى ما يثيره من اهتمام، بل إلى رمزية حكايته أيضاً؛ فهو طفل يحمل اسم عائلة ارتبطت بالكرة، ويخطو خطواته الأولى في نادٍ صنع مجده عبر أجيال من اللاعبين، وسط تطلعات جمهور يتطلع دائماً إلى بروز أسماء جديدة تدافع عن ألوانه.
ومع ذلك، تبقى أجمل هدية يمكن تقديمها لهذه الموهبة هي منحها الوقت الكافي للنمو، وتوفير الظروف المناسبة للتكوين، بعيداً عن ضغط التوقعات المبكرة. فالمواهب الصغيرة تحتاج إلى الرعاية والتشجيع بقدر حاجتها إلى التدريب، حتى تحافظ على شغفها وتواصل رحلتها بثبات.
محمد غالي الخلفي اليوم ليس مجرد طفل يرتدي قميص الوداد، إنه عنوان لحكاية تتقاطع فيها ذاكرة الأمس مع أحلام الغد. حكاية جدٍّ ظل عشقه للأحمر حاضراً في الذاكرة، وحفيدٍ وجد في كرة القدم طريقاً لاستكمال هذا الشغف بطريقته الخاصة.
وبين صرخات عبد الكريم زهران في الماضي وخطوات حفيده داخل القلعة الحمراء اليوم، تستمر الحكاية الودادية في كتابة فصل جديد، عنوانه الوفاء، ووقوده الموهبة، وأمله أن يحمل المستقبل لهذا الطفل ما يستحقه من نجاح وتألق.
محمد غالي الخلفي .. اسم صغير في العمر،وموهبة واعدة تستحق أن تُروى قصتها بعين الصحافة، وأن تُمنح فرصتها كاملة لتصنع مستقبلها فوق المستطيل الأخضر.
