المغربية المستقلة : بقلم: صلاح الدين الدكالي / طالب باحث في القانون العام
لم تعد العلاقات المغربية الإسبانية مجرد علاقة جوار تفرضها الجغرافيا، ولا مجرد شراكة اقتصادية تحكمها المصالح التجارية المتبادلة، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية حساسية في غرب المتوسط. وبينما تبدو بعض المواقف والتصريحات الصادرة من إسبانيا متوترة أحيانا، فإن قراءة أعمق لمسار هذه العلاقات تكشف أن ما يجري لا يمكن فصله عن تحولات سياسية داخلية، وعن صراع المصالح والنفوذ في المنطقة.
إن المقالات التي تتناول هذا الموضوع بجرأة تضع أمامنا حقيقة أساسية: إسبانيا تدرك أن المغرب لم يعد ذلك الجار الذي يمكن التعامل معه بمنطق الوصاية أو الفوقية السياسية. فالمغرب اليوم يواصل تعزيز موقعه الاقتصادي والدبلوماسي والاستراتيجي في محيطه الإفريقي والمتوسطي، وأصبح فاعلا إقليميا يصعب تجاوز دوره في العديد من الملفات.
وهنا تحديدا تكمن إحدى نقاط التوتر.
فكلما تقدم المغرب، ووسع شراكاته الدولية، وعزز حضوره داخل إفريقيا، وراكم أوراقا جديدة في علاقاته مع القوى الكبرى، أصبح أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه الوطنية من موقع الندية. وهذا التحول لا يمكن أن يمر دون أن يثير حسابات جديدة لدى بعض الدوائر السياسية والإعلامية في إسبانيا.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين الرباط ومدريد أكبر من أن تختزل في التصريحات المتشنجة أو الحملات السياسية الظرفية.
فإسبانيا تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا في ملفات حيوية، من التجارة والاستثمار إلى الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، فضلا عن قضايا الطاقة والربط الاقتصادي والتعاون الإقليمي. والمغرب، من جهته، يدرك أهمية إسبانيا باعتبارها بوابة أوروبية أساسية وشريكا اقتصاديا وسياسيا مهما.
ومن هنا، فإن المصالح المتبادلة تفرض نفسها بقوة، حتى عندما ترتفع حدة الخطاب السياسي.
رئيس الحكومة الإسبانية الحالي يدرك، بلا شك، حساسية وأهمية العلاقة مع المغرب. ولذلك فإن مدريد، مهما ارتفعت حدة النقاشات الداخلية، تبدو حريصة على عدم الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع الرباط.
والسبب بسيط: الدول لا تدير علاقاتها الخارجية بالعواطف وحدها، بل بالمصالح الاستراتيجية.
قد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات الحزبية، وقد يصل اليمين إلى السلطة بعد اليسار، وقد تتغير نبرة الخطاب السياسي، لكن المصالح العميقة للدولة تظل أكثر استمرارية من الأشخاص والأحزاب.
ولهذا أعتقد أن أي تغيير حكومي محتمل في إسبانيا لن يعني بالضرورة انقلابا جذريا على جوهر العلاقات المغربية الإسبانية. قد تتغير اللهجة، وقد ترتفع سقوف المطالب، وقد نشهد مزيدا من المزايدات السياسية، لكن من الصعب تصور أن تتخلى إسبانيا عن شراكة ترتبط بهذا الحجم من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.
إن الجغرافيا لا تتغير، والمصالح لا تختفي بمجرد تغيير الحكومة.
ما يحدث اليوم في إسبانيا يمكن، في جانب منه، قراءته باعتباره انعكاسا للتجاذبات السياسية الداخلية.
فالمغرب أصبح موضوعا حاضرا في النقاش السياسي الإسباني، وتوظيف بعض الملفات المرتبطة به قد يتحول إلى ورقة للمزايدة بين الأحزاب، خصوصا في ظل المنافسة الانتخابية والاستقطاب السياسي المتزايد.
وهنا يجب التمييز بين الموقف الحزبي الظرفي والمصلحة الاستراتيجية للدولة.
قد يهاجم حزب ما المغرب لأسباب انتخابية، وقد يستخدم حزب آخر الملف نفسه للدفاع عن سياساته، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة الإسبانية مستعدة للتضحية بعلاقاتها الاستراتيجية مع الرباط.
بل إن التجربة السياسية الدولية تؤكد أن الدول الديمقراطية نفسها قد تعرف تغيرا في الحكومات والسياسات، مع استمرار خطوط استراتيجية كبرى لا تتغير بسهولة.
التاريخ لا يمحى
لكن، في المقابل، لا يمكن بناء علاقة استراتيجية مستقرة على تجاهل التاريخ.
التاريخ لا يمحى، والذاكرة السياسية للشعوب لا تختفي بمجرد توقيع الاتفاقيات. فالعلاقة المغربية الإسبانية تحمل في طياتها صفحات كثيرة من التعاون والتقارب، لكنها تحمل أيضا ملفات تاريخية وسياسية شائكة ظلت حاضرة في الوعي المغربي.
ومن الطبيعي أن يكون المغرب أكثر حساسية تجاه أي خطاب يحمل في طياته نبرة استعلاء أو محاولة للتعامل معه باعتباره مجرد طرف تابع في معادلة متوسطية غير متكافئة.
المغرب اليوم يريد علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، والندية، والمصالح المشتركة، وليس على منطق الإملاءات.
وهذا التحول في طبيعة العلاقة هو، في اعتقادي، أحد الأسباب التي تجعل بعض الأصوات داخل إسبانيا تشعر بالقلق من صعود الدور المغربي.
الحقيقة التي ينبغي على الجميع استيعابها هي أن المغرب تغير.
لقد أصبح للمغرب حضور أكبر داخل القارة الإفريقية، وشراكات متعددة مع قوى دولية مختلفة، ودور متزايد في الملفات الإقليمية، فضلا عن موقعه الجغرافي الذي يجعله حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمحيط الأطلسي.
وبالتالي، فإن التعامل مع المغرب بمنطق الماضي لم يعد ممكنا.
إسبانيا نفسها تحتاج إلى المغرب، كما يحتاج المغرب إلى إسبانيا. وهذه ليست علاقة طرف قوي بآخر ضعيف، وإنما علاقة جارين تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واستراتيجية عميقة.
ولذلك فإن أفضل خيار أمام البلدين ليس التصعيد، وإنما بناء علاقة أكثر نضجا، تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والواقعية السياسية.
ما يحدث اليوم ليس بالضرورة تحولا استراتيجيا
من هذا المنطلق، أرى أن كثيرا مما يحدث حاليا في الخطاب السياسي الإسباني أقرب إلى مزايدات سياسية داخلية منه إلى تحول جذري في جوهر العلاقات المغربية الإسبانية.
فالخطاب قد يتغير، والحكومات قد تتبدل، والأحزاب قد تتنافس حول من يرفع سقف مواقفه أكثر، لكن المصالح الاستراتيجية ستظل حاضرة بقوة.
وفي النهاية، ستفرض الجغرافيا نفسها، وستفرض المصالح نفسها، وسيجد الطرفان نفسيهما أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: المغرب وإسبانيا جاران، ومصيرهما في غرب المتوسط مرتبط بدرجة أكبر مما قد توحي به الخلافات السياسية الظرفية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتغير الحكومة الإسبانية؟ بل: هل ستتغير المصالح الاستراتيجية التي تحكم علاقة إسبانيا بالمغرب؟
والجواب، في تقديري، هو أن المصالح الكبرى للدول لا تتغير بسهولة.
أما المزايدات السياسية، فتبقى عابرة.
