المغربية المستقلة : صفاء جمال
تعد قضية الصحراء المغربية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية للمملكة، إذ شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات دبلوماسية متسارعة، عكست تنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وذي مصداقية لتسوية هذا النزاع. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المالي بوصفه امتدادا لدينامية إقليمية ودولية، تؤكد اتساع دائرة الدول الداعمة للوحدة الترابية للمغرب. فما هي دلالات التحول الذي تعرفه الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء؟ وإلى أي حد يعكس الموقف المالي هذا التحول الاستراتيجي؟ وكيف يمكن تفسير هذه الدينامية من منظور سوسيولوجي؟ وما دور القيم الدينية، القائمة على العدل والتعاون والوفاء بالعهود، في ترسيخ العلاقات بين الدول؟
للإجابة على كل هاته التساؤلات، نجد بأن المغرب، يعرف مجموعة من التحولات في قضية الصحراء المغربية، وذلك لتعزيز الشراكات بين البلدين.
ـ على المستوى السياسي: يبين هذا التحول نجاح الدبلوماسية المغربية، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، في بناء شراكات استراتيجية قائمة على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. كما أن افتتاح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، وتزايد المواقف المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، يشكلان مؤشرين على تنامي الثقة في الطرح المغربي.
– على المستوى السوسيولوجي: فإن العلاقات الدولية لم تعد تُبنى فقط على الاعتبارات السياسية، وإنما أصبحت ترتكز أيضا على الرأسمال الرمزي والثقة المتبادلة والتعاون التنموي. ويؤكد عالم الاجتماع “بيير بورديو” في هذا الصدد، أن الرأسمال الرمزي – يمنح الفاعل مكانة وتأثيرا داخل المجال الاجتماعي- ، وهو ما يمكن إسقاطه على التجربة المغربية التي استطاعت، عبر تراكم الإنجازات وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، أن تكسب احترام عدد متزايد من الدول، خصوصا في القارة الإفريقية.
ومن جهة أخرى، فإن هذا التقارب، يجسد تغيرا في أنماط التفاعل بين الدول، حيث أضحت المصالح الاقتصادية والأمنية والتنموية عوامل حاسمة في صياغة المواقف السياسية. وهذا يعني أن التعاون في مجالات التكوين المهني، الاستثمار، البنيات التحتية والأمن، يخلق روابط اجتماعية ومؤسساتية، تساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وتوطيد العلاقات الثنائية.
ـ على المستويين الديني والقيمي: يدعو الإسلام إلى الوفاء بالعهود، وإقامة العلاقات على العدل والإحسان والتعاون على الخير، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الشراكات القائمة على الاحترام المتبادل والحوار ينسجم مع القيم الإسلامية الداعية إلى السلم والتعايش وخدمة المصالح المشتركة.
تأسيسا على ما سبق، يمكن القول، بأن تطور المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء المغربية لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات التي يعرفها النظام الدولي، ولا عن فعالية الدبلوماسية المغربية، ولا عن الأبعاد السوسيولوجية المرتبطة ببناء الثقة والرأسمال الرمزي والتعاون بين الشعوب. لذلك، فإن استمرار هذا المسار، يظل رهينا بتعزيز التنمية، توسيع الشراكات وترسيخ قيم الحوار والاحترام المتبادل، بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
