المغربية المستقلة : حاورته : منال بوشتاتي
تزهر الأحلام في قلوب الحالمين، فيتراقص الواقع مع الخيال، وتمتزج الموهبة بالتكوين الأكاديمي لتحلق في سماء الإبداع.
وهنا في رحاب مدينة الخيال حيث ينمو الحلم وتزهر الموهبة، بزغ نجم القاص والناقد ياسين اليعݣوبي، فأصدر كتاب انثيالات عشق، وهو مجموعة من الشذرات الأدبية ذات الطابع التأملي .
كما أصدر مجموعته القصصية جروح بين السطور التي تناول فيها جراح الإنسان بأسلوب مكثف وعميق .
وقد لقي هذان الإصداران اهتماما واسعا بين القراء، لما يحملانه من حس أدبي ورؤية إنسانية.
وفي هذا الحوار الذي تنشره المغربية المستقلة، نقترب من تجربة المبدع ياسين اليعݣوبي، لنحاوره حول رحلته مع الكتابة، وإصداراته ورؤيته للأدب والنقد .
1 لكل أديب بداية، كيف كانت بدايتك مع الكتابة ؟ وهل ما زلت تتذكر أول خاطرة أو قصة كتبتها ؟
ج : بداية أشكرك أستاذة منال على اختياري لإجراء هذا الحوار الماتع .
جوابا على سؤالك المتعلق ببدايتي مع الكتابة، في الحقيقة أنا بدأت الكتابة متأخرا؛ عندما كنت أدرس في البكالوريا، حيث كنت أكتب مجموعة من القصص وكنت أشاركها مع أستاذتي لمادة اللغة الفرنسية .
وكانت تطلع عليها وتشجعني على الاستمرار، كانت تتنبأ لي بسطوع اسمي في الساحة الأدبية، وأرجو أن أحقق حلمها .
ذلك أنني ما زلت أعتبر نفسي كاتبا واعدا، ومازال الطريق أمامي طويل جدا. كما كانت لدي بعض المحاولات المتواضعة جدا في كتابة (الشعر النثري)، لكن خلصت بعد تلك المحاولات المتواضعة إلى أن الشعر صعب؛ وله أهله الذين يتقنونه.
هذا بالإضافة إلى أنني وجدت ذاتي أكثر في القصة القصيرة.
أما أول قصة كتبتها، فهي قصة كنت قد عنونتها ب ( الحب والفقر ) وهي قصة رومانسية
2 يرى بعض الأدباء أن الموهبة الأدبية مجرد وهم، وأن الكتابة مهارة تكتسب بالتدريب والممارسة بينما يرى آخرون أن الموهبة موجودة بالفطرة، لكنها تحتاج إلى القراءة والتجربة حتى تنضج إلى أي الرأيين تميل؟ ولماذا ؟
ج: أميل إلى الرأي الثاني الذي يرى أن الموهبة موجودة بالفطرة، لكنها تحتاج بلا شك إلى القراءة والتجربة حتى تنضج وتتألق.
فالموهبة هي بمثابة البذرة، وهذه البذرة لا يمكن أن تنمو أو تثمر دون سقي؛ والسقي هنا هو القراءة الواسعة، والاحتكاك بالتجارب الإنسانية.
وكذلك لا بد من ممارسة فعل الكتابة بشكل يومي وجعله عادة كالأكل والشرب، وليس شرطا على المبدع تقاسم كل ما تخطه أنامله .
يمكنه الاحتفاظ ببعض كتاباته لنفسه؛ لأنها مجرد تمارين شخصية، كأن يدون كيف مر يومه والأشياء التي أنجزها .
3 لا يخلو أي مشوار أدبي من التحديات ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في بداياتك، وكيف استطعت تجاوزها ؟
ج : من بين أهم الصعوبات التي واجهتني في البداية، وما زلت أواجهها حتى الآن، صعوبة أن تفرض نصوصي نفسها على القراء، إذ ما زلت أعتبر نفسي مبتدئًا.
ذلك أن أغلبهم للأسف الشديد يقرأون لأسماء مكرسة بعينها، بل إن البعض قد يحكم على نصوصك بالرداءة لمجرد أن الاسم غير معروف ودون أن يكلف نفسه عناء قراءتها .
في حين قد يشيدون بعمل لكاتب مشهور؛ ويحكمون له بالجودة حتى قبل أن تصل النسخ إلى المكتبات.
وعموما الأدب المغربي من خلال ما ألاحظه يشهد إقبالا ضعيفا مقارنة بنظيره العالمي، إنها عقدة الأجنبي تحضر حتى في الأدب وأسفاه !
4 أصدرت كتاب انثيالات عشق، وهو مجموعة من الشذرات الأدبية ذات الطابع التأملي كيف ولدت فكرة هذا الإصدار، وما الذي أردت أن توصله من خلاله ؟
ج : فكرة إصدار كتاب (انثيالات عشق )، الذي هو كما أشرت عبارة عن شذرات أدبية، جاءت بعدما كنت أقرأ شذرات غزالية هنا وهناك؛ فكانت تعجبني كثيرا وتشدني بجمالياتها، وكيف ينجح أصحابها في التعبير عن حبهم لمحبوباتهم . ووصفهم لعيونيهن وذلك في سطر أو سطرين على الأكثر. هذا الأمر حفزني لأكتب على منوالها، وقد حرصت على أن أكتب بلمستي الخاصة. والحمد لله، قد لمس معظم القراء تفردي وتميزي في كتابة تلك الشذرات.
أما عن الرسالة التي أردت إيصالها، فلم أقصد رسالة مباشرة؛ هي شذرات انبثقت من تأثري بما قرأت، ليس إلا.
5 تبدو الكتابة المكثفة والاقتصاد في اللغة سمة بارزة في أعمالك هل هو خيار فني تؤمن به، أم مجرد تجربة فرضها نوع الكتابة ؟
ج : بالنسبة للتكثيف والاقتصاد في أعمالي، فطبيعة الأجناس التي أكتب فيها، تفرض علي الالتزام بذلك .
فالقصة القصيرة جدا مثلا، يرى بعض النقاد أنه لا ينبغي لها أن تتجاوز خمسين كلمة، كما أنه كل كلمة فيها محسوبة ولها وظيفة، ولا مجال للحشو كالوصف مثلا. وهذا التكثيف بالمناسبة ليس عملية سهلة بل على العكس، هو أمر صعب للغاية؛ فكلما زادت خاصية التكثيف في جنس أدبي أو سردي ما زادت صعوبة كتابته .
فكتابة القصة القصيرة أصعب من كتابة رواية ؛
ذات مرة أرسل أحد الأشخاصِ رسالة مطولة لأحدهم، فختمها باعتذار يقول فيه : أعتذر منك عن الإطالة؛ لأنني لم أجد وقتا للاختصار .
6 أصدرت مجموعتك القصصية جروح بين السطور التي تناولت جراح الإنسان بأسلوب مكثف ؛ لماذا اخترت هذا العنوان تحديدا ؟
وكم استغرقت من الوقت لإنجاز هذه المجموعة ؟
ج: بالنسبة لعنوان المجموعة (جروح بين السطور)، فقد اخترته لأنه يعكس بدقة الجو العام للنصوص وما تحمله من آلام ومشاعر إنسانية دفينة لا ترى بالعين المجردة، بل تستشف بين الحروف.
فجراح الإنسان الحقيقية غالبا ما تكون خفية ومبطنة، تتوارى خلف الكلمات.
أما بخصوص المدة الزمنية التي استغرقتها لإنجاز هذه المجموعة، فلم تكن خاضعة لجدولة زمنية أو تخطيط مسبق صارم، بل كانت نتاج تراكم نصوص كتبت على فترات متفرقة استجابة للحظات شعورية وإبداعية متباينة، إلى أن تجمعت تلك النصوص وتشكلت في هويتها النهائية.
وجدير بالذكر أنني في البداية اخترت عنوانا آخر للمجموعة، ألا وهو : بأي ذنب قتلت !
عنوان لقصة ضمن المجموعة، لكن عندما بحثت في جوجل، وجدت أعمال تحمل العنوان نفسه، فقررت تغييره بعد استشارتي للأديبة المغربية سلمى الغزاوي.
7- حصلت على عدة جوائز أدبية، كما لقيت أعمالك اهتماما من الإعلام والقراء ماذا تعني لك هذه الجوائز ؟ وكيف استقبلت هذا التقدير ؟ ج : الجوائز التي حصلت عليها في الحقيقة هي جوائز متواضعة؛ عبارة عن شواهد تقديرية، كما نشرت بعض نصوصي الفائزة في كتب جماعية، ومع أنها جوائز متواضعة إلا أنها تعني لي الشيء الكثير.
وأما اهتمام الإعلام والقراء بأعمالي المتواضعة، فإن ذلك يمنحني شحنة إيجابية ؛ لمواصلة المسير رغم وعورة الطريق.
8- هل غيرت الشهرة شيئا في شخصية ياسين اليعݣوبي،أم أنك ما زلت الإنسان نفسه الذي بدأ رحلته مع الكتابة ؟
ج : في الحقيقة، لا أعتبر نفسي قد بلغت الشهرة أصلا، ولا أسعى إليها فأنا أكتب فقط وقد يلمس البعض فيما يخطه بناني إبداعا واجتهادا، بينما قد يرى آخرون ذلك سطحيا أو تقريريا.
وعليه لم يتغير في شيء؛ فما زلت الإنسان نفسه الذي بدأ رحلته بصمت وتواضع. أتعامل مع الكتابة بوصفها حاجة روحية وملاذا، لا طلبا للأضواء والتصفيق.
9 إلى جانب الإبداع، كتبت قراءات ومقالات نقدية تناولت أعمالا روائية،من بينها رواية عقد المانوليا للكاتبة المغربية نعيمة السي أعراب كيف اكتسبت أدواتك النقدية ؟
وما الذي يميز الناقد في نظرك ؟
ج: اكتسابي للأدوات النقدية لم يكن وليد الصدفة، وإنما هو ثمرة قراءات مواظبة للنظريات النقدية والأدبية، إلى جانب تكويني الأكاديمي بشعبة الدراسات العربية، حيث درسنا المناهج وتحليل النصوص.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فما يميز الناقد الحقيقي في نظري ليس امتلاك المصطلحات الجاهزة أو التعالي على النصوص، بل هو القدرة على الغوص في أعماق النص، وتفكيك بنياته بوعي وذائقة مرهفة .
وإضاءة الجوانب الخفية فيه، بحيث تكون القراءة النقدية في حد ذاتها عملا إبداعيا موازيا يفتح آفاقا جديدة للتلقي.
10 ما الذي دفعك إلى خوض تجربة الكتابة النقدية إلى جانب الإبداع القصصي ؟
ج : الذي دفعني إلى خوض تجربة الكتابة النقدية، هو أنه يحدث أن أقرأ عملا أدبيا معينا، فيسترعي انتباهي شيء ما سواء كان متعلقا بالموضوعات أو بالتقنيات الفنية .
فأشعر برغبة ملحة لكتابة مراجعة نقدية حول ذلك العمل .
أركز فيها على ذلك الشيء الذي لفت انتباهي؛ فمثلا حينما قرأت رواية ليلة مع رباب ( لفاتحة مرشد ) استرعى انتباهي وجود تعدد الأصوات، فكتبت مراجعة نقدية تطرقت فيها لهذه المسألة
أو مثلا رواية (زهرة ) لمحمد شهبون، لفت انتباهي حضور مجموعة من القيم، فتناولت ذلك في قراءتي .
وهكذا كما أنني أعتبر كتابة هذه المراجعات النقدية، والتي أغلبها عن أعمال بعض أصدقائي، بمثابة تشجيع لهم على الاستمرار في الكتابة، يكفي أن يكون العمل جيدا ويحترم شروط الإبداع المسلم بها وإلا وقعت في المجاملة.
11 هل تراودك فكرة كتابة رواية يوما ما ؟
وإذا حدث ذلك، فأي نوع روائي تجد نفسك أقرب إليه: البوليسي، أم الاجتماعي أم الرومانسي ؟ ولماذا ؟
ج : في الحقيقة، سبق وأن اقترح علي بعض الكتاب والأصدقاء وأساتذتي خوض غمار كتابة رواية، مؤكدين أنني قادر على خوض هذا التحدي، وهو أمر بت أفكر فيه بكل جدية.
أما بالنسبة للنوع الذي أجد نفسي أقرب إليه، فهو النوع الاجتماعي؛ ذلك أنني جزء من المجتمع وعليه فإنني أنطلق منه وأستلهم من قضاياه وهمومه تماما كما فعلت مع مجموعتي القصصية جروح بين السطور .
12 في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى قرائك، وإلى الشباب الذين يحلمون بولوج عالم الأدب؟
ج : في ختام هذا الحوار الممتع، رسالتي إلى قرائي الأفاضل هي كلمة شكر وامتنان؛ فبدعمهم ومواكبتهم تستمر حكاية الحرف، وبهم يكتمل المعنى .
أما إلى الشباب الذين يحلمون بولوج عالم الأدب، فأقول لهم : آمنوا بأنفسكم وبأصواتكم الخاصة، ولا تسعوا إلى تقليد أحد .
ولا تجعلوا النشر همكم الأكبر فالعبرة ليست بالنشر، وإنما بأن يكون المنشور عند حسن ظن القراء .
وألا يخيب آمالهم، وأن يشكل إضافة نوعية في الساحة الأدبية.
كما أقول لهم ولنفسي ابتداءً : اقرؤوا كثيرا واكتبوا قليلا، فقد سبق للقاص المغربي المتألق أحمد بوزفور أن قال ذات لقاء؛ خصص للاحتفاء به مُعرِّفًا نفسه: أنا قارئ محترف وكاتب هاوٍ، أقرأ في الليل وفي النهار وأكتب في فترات نادرة.
كما أنصحهم بتقبل النقد البناء وبالصبر، فطريق الكتابة وعر جدا .
