حين تتحول العدالة إلى “محتوى”: من يحاكم من في قضية مولينكس؟

المغربية المستقلة  : حسن مقرز / بروكسيل

منذ اعتقال المسمى “مولينكس” في شهر غشت، والقضية تسير في مسارها الطبيعي داخل المحاكم، جلسات طويلة، مرافعات، وتأجيلات تفرضها تعقيدات الملف. هذا هو وجه العدالة الحقيقي: بطيء، دقيق، ومحكوم بالقانون. لكن خارج المحكمة، تُصنع عدالة أخرى… سريعة، صاخبة، وخطيرة.

على منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد بعض المؤثرين يكتفون بنقل الخبر، بل تجاوزوا ذلك إلى لعب أدوار أخطر: التحقيق، التحليل، التوجيه، بل وإصدار الأحكام. فيديوهات يومية، “لايفات” مثيرة، عناوين مشحونة… كل ذلك يقدم على أنه “كشف للحقيقة”، بينما هو في كثير من الأحيان إعادة تشكيلها بما يخدم نسب المشاهدة.

لنقلها بوضوح: ما يحدث ليس نقاشًا عموميًا بريئًا، بل محاكمة موازية تُدار خارج القانون.
في هذه المحاكمة، لا وجود لقرينة البراءة، ولا مكان لتعقيد الملف، ولا احترام لمسار القضاء. هناك فقط سرديات جاهزة تُغذّي الغضب، وتُبقي الجمهور في حالة ترقب دائم… لأن الترقب يعني المزيد من المشاهدات، والمشاهدات تعني المال.

الأخطر ليس فقط تضليل المتابعين، بل تحويلهم إلى “هيئة حكم” رقمية، تُصدر قراراتها عبر التعليقات والمشاركات. وهنا يكمن الانزلاق الحقيقي: حين يُختزل القضاء في رأي عام متقلب، وحين تصبح الحقيقة رهينة “الترند”.

هل يؤثر هذا على المحكمة؟ رسميًا، لا.
لكن عمليًا، لا يمكن إنكار أن هذا الضجيج الرقمي يصنع مناخًا عامًا ضاغطًا، يضع العدالة تحت مجهر شعبوي لا يعترف إلا بالأحكام السريعة. وهو ما يفتح الباب أمام التشكيك في أي قرار لا ينسجم مع المزاج العام الذي صنعه المؤثرون.

أما عن الدوافع، فليست كلها بريئة.
جزء كبير من هذا الترافع الرقمي هو استثمار صريح في قضية مثيرة للجدل. كل تصريح، كل “تحليل”، كل تسريب مزعوم… هو مادة قابلة للتحويل إلى أرباح. إنها صناعة كاملة تقوم على تحويل القضايا الإنسانية والقانونية إلى منتج استهلاكي.

نحن إذن أمام مشهد مقلق:
قضاء يُحاكم وفق القانون، وسوشيال ميديا تُحاكم وفق “الترند”.
حقيقة تُبنى على الأدلة، وأخرى تُصنع بالمونتاج والعناوين المثيرة.

خاتمة:
قضية “مولينكس” كشفت شيئًا أخطر من مجرد ملف قضائي: كشفت كيف يمكن أن تتحول العدالة إلى محتوى، وكيف يمكن أن يصبح الرأي العام أداة ضغط بدل أن يكون قوة وعي.
وفي زمن تختلط فيه الحقيقة بالضجيج، يبقى السؤال الحاسم:
هل ما زلنا نثق في المحاكم… أم بدأنا نصدق أكثر ما يُقال في “اللايف”؟

Loading...