المغربية المستقلة : بقلم غيثة يحياوي – باحثة في الشؤون الإدارية والاقتصادية
كيف يحوّل جيل الكفاءات طاقته إلى بناء لا إلى مقاطعة ؟؟؟
جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله مساء أمس ليُعيد ترتيب الأولويات الوطنية، مؤكدًا أن البرامج التنموية لا يجب أن تتنافس بل تتكامل، وأن النمو الاجتماعي لا ينفصل عن النمو الاقتصادي. في خضم هذا التوجيه الملكي الواضح، يبرز سؤال أساسي: كيف سيُعبّر جيل Z المغربي عن نضجه ووعيه، إن سمح بأن تُستغل حركيته من طرف “هياكل عجوزة” فقدت قدرتها على الإبداع، وما تزال تعيش على أمجاد الماضي ومكتسباته الظرفية؟
جيل Z المغربي هو جيل التفكير والتحليل، لا جيل التبعية والانفعال. إنه جيل عاش الثورة الرقمية، وتكوّن علميًا في فضاءات مفتوحة، وتشرّب قيم النقد والإبداع. لكن الخطر اليوم أن يتحول هذا الجيل اللامع إلى أداة في يد من يرفض التغيير، ممن يحاولون استغلال طاقاته باسم “الوعي الجماعي”، بينما يسعون في الحقيقة إلى تعطيل أي مسار إصلاحي حقيقي. فالوعي ليس في الرفض الأعمى، بل في تحويل النقد إلى اقتراح، والطاقة إلى مبادرة.
وفي هذا السياق، تظهر دعوات متناقضة مع هذه الرؤية، مثل الدعوة إلى مقاطعة التظاهرات الرياضية، وكأن الرياضة مجرد ترف أو تسلية. غير أن الواقع يؤكد أن الرياضة ليست ترفًا، بل اقتصاد وكرامة، إذ تُعد رافعة اقتصادية واجتماعية متكاملة. فالملاعب تُشغّل آلاف المهندسين والتقنيين والعمال، وتُنعش السياحة والفندقة والنقل والتجارة. إنها صناعة وطنية تُحرّك عجلة الاقتصاد، وتخلق فرص عمل، وتُترجم جزءًا من الحق في العيش الكريم الذي ينادي به الجميع. فهل من المنطقي أن نطالب بالتشغيل، ثم نقاطع ما يُنتجه؟
ولعل أبرز ما يعكس هذه الحقيقة ما شهدناه في كأس العالم بقطر سنة 2022، حين رفع شباب مغاربة، أغلبهم من مغاربة العالم ومن جيل Z، الراية الحمراء والنجمة الخضراء بكل فخر. هؤلاء الشباب لم يتربّوا في المغرب، لكنهم قالوا للعالم بوضوح: لسنا نجوم الغرب، نحن أبناء المغرب. لقد بكوا النشيد الوطني، واحتضنوا آباءهم وأمهاتهم أمام الكاميرات، فكانوا سفراء للوطن بقلوبهم لا بجوازاتهم. فكيف نُقابل هذا الإخلاص اليوم بدعوات مقاطعة لمباريات يلعبونها من أجل الوطن فقط؟ أليست تلك لحظة نكران رمزية للوطنية التي تجسدت أمام أنظار العالم؟ إن هذا الواقع يُعبّر بوضوح عن أن الرياضة قوة ناعمة في خدمة صورة المغرب، وعن أن الانتماء لا يُقاس بمكان الولادة، بل بمقدار الوفاء للوطن.
لقد فهم العالم منذ فوز نوال المتوكل وسعيد عويطة أن المغرب بلد طموح يصنع المجد بالإرادة والعمل، واليوم تتجدد الصورة مع جيل جديد من الأبطال في كرة القدم وألعاب القوى والفنون والعلوم. فالرياضة ليست مجرد منافسة، بل أداة دبلوماسية ناعمة تُعزّز مكانة المغرب على الساحة الدولية، وتُسهم في بناء الثقة، وجلب الاستثمارات، ودعم السياسة الخارجية للبلاد.
ويدخل المغرب اليوم مرحلة جديدة من تاريخه التنموي، عنوانها الاستقلال الطاقي والابتكار السيادي. فمن مشاريع الطاقات المتجددة إلى الهيدروجين الأخضر، يُثبت المغرب أنه في طريقه ليصبح من الدول القليلة القادرة على تحقيق اكتفائها الذاتي في مجال الطاقة، مما يعني كسر احتكار “دول الآبار النفطية” وإرساء نموذج تنموي مستقل. في هذا السياق، يصبح من العبث أن نُبدّد طاقاتنا في خلافات داخلية أو حملات تفرقة، بدل أن نُواكب التحولات العالمية بوحدة ووعي ومسؤولية.
لقد انتهى زمن “كان فلان وفلان”، فالمغرب اليوم لا يُقاس بالأسماء بل بالمشاريع، ولا يُبنى بالصخب بل بالعمل. جيل Z مدعوّ لأن يكون قوة اقتراح لا أداة احتجاج فقط، وجيل مبادرة لا تبرير. من يهجر الميدان لا يُصلح الواقع، بل يتركه للمتربصين. فلنحوّل الاختلاف إلى طاقة بناء، لأن المستقبل لا يُمنح… بل يُصنع.
