المغربية المستقلة : منير الدايري
لم يستمر عمله في السوق إلا ثلاثة أشهر. ثلاثة أشهر كانت كافية ليذوق طعم الجوع والبرد والذل. كان ينام فوق صناديق تفوح منها رائحة السمك الفاسد. يلتصق جسده بخشب بارد، والقطط والكلاب تتقاسم معه الفُتات. كان يقتات على كسرة خبز يابس، يغمسها في ماء مالح أو في زيت أسود يفيض من علبة قديمة. أحياناً كان يمد يده خلسة إلى صندوق جارٍ غافل، يسرق بضع حبات طماطم أو تفاحة متعفنة، ثم يلتهمها بسرعة قبل أن يراه أحد.
في صباح بارد، غادر السوق. لم يكن طرداً رسمياً، ولا قراراً مسبقاً. فقط أحس أن رجليه لم تعودا قادرتين على حمله بين الصراخ والشتائم والدفع. سار باتجاه البلدة كمن يجرّ خلفه قيداً طويلاً.
تذكر أمه: وهي تعود من القرى حاملة أثواباً مهترئة على ظهرها، تبيعها لتجلب لهم بعض الدقيق. تذكرها وهي تبكي حين صودرت منها بضاعة اشترتها بالدين. وتذكرها أيضاً وهي تبتسم في مساء بعيد، حين عاد إليها بخبز وخضر وسمك رخيص، ووضع في يدها ورقة عشرين درهماً. يومها أحس أنه صار رجلاً.
لكن الرجولة في عالمه لم تكن سوى عبء.
في المساء، تبع صديقاً إلى جلسة عند البحر. جلس بين شباب يتحدثون عن كتب وأسماء لم يسمع بها: “بوليتزر”، “لينين”، “الحرب الأهلية في لبنان”… كانوا يضحكون ويثرثرون كأن العالم ملكهم. أصغى إليهم، صامتاً. لم يفهم الكثير، لكنه شعر بشيء يتململ داخله. ذكرى حلم قديم: أن يجلس في قسم مثل الآخرين، كتاب أمامه، أستاذ يشرح. لكنه ضحك في سره: ما الذي تفعله الكتب لرجل يركض وراء رغيف؟
عاد متأخراً. تعثر عند الباب وسقط. الدم سال من جبينه. أمه هرعت، صرخت باسمه، احتضنته، مسحت الدم بكمها، وضربته في اللحظة نفسها. بكت. لعنته. ثم بكت من جديد. كان يراها بعينين نصف مغلقتين، وتمتم بصوت مبحوح:
– أمّي… تعبت. أردت أن أسعدك… لكنني لم أعد أحتمل.
حبس نفسه في البيت أياماً. لم يغادر. كانت كوابيس السوق تزوره في نومه: رجال يصرخون بعدما سُحقت تجارتهم، نساء يبعن بأثمان بخسة ما حملنه طوال النهار، أطفال حفاة يتسابقون على أعقاب سجائر أو علبة سردين فارغة. يرى نفسه بينهم، يسقط مثلهم، يلعن مثلهم.
لم يكن السوق وحده ما يطارده. كان يتذكر طفولته: ليالي الجوع حين كان ينام على الأرضية الباردة وضلوعه تلسع بطنه الفارغ. يتذكر كيف كان يخرج إلى الشارع ليشمّ رائحة الخبز من نوافذ الآخرين. كيف كان يتسول لقمة من جيرانه، أو يلتقط قشور البرتقال من حاويات القمامة. يتذكر أول مرة سرق فيها قطعة حلوى من الدكان، وكيف ضربه البقال حتى سال الدم من أنفه، بينما الأطفال يضحكون عليه.
أمه لم تتركه. كانت تدخل عليه بطبق بسيط: خبز وزيت وشاي بارد. تضعه أمامه وتجلس تحدق فيه. لم تكن تقول شيئاً. فقط تنظر إليه طويلاً. كانت عيناها تمتلئان خوفاً وغضباً في آن واحد.
بعد أسبوعين، جلس إلى جوارها، طلب منها أن تسامحه. لم تجب. أمسكت يده وضغطت عليها بقوة. ذلك الضغط كان جواباً كاملاً. في الصباح خرج إلى الشارع من جديد. لم يعرف ماذا ينتظره: عمل في السوق، شقاء في ورشة، أو حتى حياة على الرصيف. لكنه خرج، يحمل في داخله أمنية صغيرة، عنيدة: أن ينجو من هذا المستنقع، أن يعود يوماً إلى مقعد دراسة لتلقي تعليم جيد ومجاني مثله مثل باقي ابناء وطنه ۔
