المغربية المستقلة : الكاتبة الباحثة: ساره سعد محمد عقيله./ باحثة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية. جامعة قار يونس بنغازي ليبيا
تمهيد
تُعدّ منطقة الساحل الإفريقي اليوم إحدى أكثر بؤر التوتر تعقيدًا في المشهدين الدولي والإقليمي، نظرًا لتنامي التهديدات الإرهابية وتغلغل الجماعات المتطرفة العابرة للحدود، إلى جانب التحديات المرتبطة بالهشاشة الأمنية والاضطرابات السياسية وضعف التنمية. وفي هذا السياق، تبرز ليبيا كفاعل محوري محتمل في معادلة الأمن الإقليمي، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي المتاخم لدول الساحل، بل أيضًا بسبب تراكم خبراتها مع ظاهرة الإرهاب خلال العقد الماضي، وما خلفته من تداعيات داخلية وإقليمية.
إن مكافحة الإرهاب لم تعد قضية أمنية صِرفة، بل أصبحت مدخلًا لإعادة صياغة الأدوار الجيوسياسية للدول، ووسيلة لإعادة تموضعها في خرائط النفوذ الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن انخراط ليبيا في جهود مواجهة الإرهاب بالساحل الإفريقي قد يشكّل بوابة لاستعادة دورها الإقليمي المفقود منذ سنوات، من خلال المشاركة في ترتيبات الأمن الجماعي، والتعاون الاستخباراتي والعسكري، وتعزيز حضورها في المبادرات الدولية الخاصة بمكافحة التهديدات العابرة للحدود.
وعليه، فإن البحث في موضوع “مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي: بوابة استعادة الدور الإقليمي لليبيا” يفتح المجال لفهم أعمق لتقاطع التحديات الأمنية بالرهانات الجيوسياسية، ويتيح قراءة مستقبلية لدور ليبيا في فضاء الساحل باعتباره أحد المحاور الأساسية في تشكيل أمن شمال إفريقيا وغربها خلال السنوات القادمة.
إن النظرة الأولية لهذه العوامل تبيّن أن الدور الإقليمي لليبيا في مكافحة الإرهاب يهدف بالأساس إلى حماية أمنها الوطني من أخطار التهديدات العابرة للحدود، ومحاولة استباق انتشارها عبر معالجة الوضعية الأمنية في مجالها الجغرافي المباشر، تفاديًا لانتقالها إلى الداخل الليبي. وإذا تأملنا العامل الأول، نجد أن ليبيا – من خلال تركيزها على البعد الأمني أكثر من التعاون الاقتصادي – إنما تسعى إلى إيجاد بيئة جيوسياسية مستقرة يمكنها لاحقًا الانطلاق منها نحو بناء شراكات اقتصادية مع دول الجوار. وبذلك، فإن ما يمكن تسميته بـ “الدبلوماسية الأمنية” أو الدور الإقليمي لليبيا، يقوم على إعلاء شأن التعاون الأمني على حساب الشراكة الاقتصادية، رغم الأهمية الجوهرية لهذه الأخيرة في استقرار الدول المجاورة. غير أن تقديم البعد الأمني على الاقتصادي يجد تفسيره – في تقديرنا – في العامل المتعلق بهشاشة دول الإقليم، وضعف مؤسساتها، الأمر الذي يجعل من الأمن أولوية قصوى قبل التفكير في أي مسار تنموي أو تكامل اقتصادي.
اولا :أولوية الدور الليبي الأمني على التعاون الاقتصادي.
تُظهر التحركات الليبية في فضائها الجغرافي، ولا سيما تجاه دول الساحل الإفريقي، أن البُعد الأمني يفرض نفسه باعتباره أولوية قصوى مقارنة بالتعاون الاقتصادي، ويعود ذلك إلى التهديدات المتنامية للجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وانتشار شبكات التهريب والجريمة المنظمة، إضافة إلى هشاشة البنى السياسية والأمنية في دول الجوار الجنوبي.¹
ليبيا، بحكم موقعها الاستراتيجي المنفتح على الصحراء الكبرى، تدرك أن أي اختراق أمني أو تمدد للتنظيمات المتطرفة في هذه المناطق سينعكس مباشرة على استقرارها الداخلي. ومن هذا المنطلق، تبنت مقاربة تقوم على «الدبلوماسية الأمنية»، أي جعل التعاون الأمني والاستخباراتي محورًا للعلاقات مع دول الجوار قبل الانتقال إلى ملفات التنمية والتكامل الاقتصادي.²
إن تقديم البعد الأمني على التعاون الاقتصادي لا يعكس إقصاءً لهذا الأخير، بل إدراكًا أن الأمن شرطٌ لبناء أي شراكات اقتصادية مستقبلية. فغياب الأمن يجعل أي مشروع تنموي غير قابل للاستدامة.³
ثانيًا: المقاربة الليبية القائمة على أولوية الداخل على الخارج.
الخيار الاستراتيجي الليبي المتمثل في إعطاء الأولوية للأمن الداخلي يثير تساؤلات حول انسجامه مع ثوابت السياسة الخارجية، خصوصًا مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.⁴
وللتوفيق بين هذه المعضلة، تبنت ليبيا حلاً وسطًا: ضبط الأمن الداخلي أولًا عبر تعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية والشرقية، مكافحة شبكات التهريب، وتجفيف منابع تمويل الجماعات الإرهابية. وفي الوقت نفسه، انخرطت في تنسيق أمني ثنائي مع مصر وتشاد والنيجر والسودان، إضافة إلى المشاركة في آليات إقليمية للتشاور، من دون إرسال قوات مقاتلة إلى الخارج.⁵
يثير خيار ليبيا الاستراتيجي القائم على إعطاء الأولوية للأمن الداخلي على حساب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية إشكالية تتعلق بمدى انسجامه مع ثوابت السياسة الليبية، خصوصًا ما يتعلق بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. فالدور الإقليمي لليبيا في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل يضعها أمام معادلة معقدة: فمن جهة، تفرض نظرية الدور ـ باعتبارها أحد مكونات السياسة الخارجية ـ أن تنخرط ليبيا في ترتيبات أمنية إقليمية وتنسيق مع دول الجوار؛ ومن جهة أخرى، تتمسك ليبيا بمبدأ سيادي ثابت يقوم على عدم التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، سواء سياسيًا أو عسكريًا. وهنا تكمن المعضلة: فإذا تدخلت ليبيا عسكريًا خارج حدودها لمواجهة التنظيمات الإرهابية، فإنها قد تُتهم بالتخلي عن عقيدتها السيادية، وإذا اكتفت بالمراقبة من بعيد، فهي تُعرض أمنها القومي لمخاطر تمدد الإرهاب من دول الجوار.
لقد دفع هذه المعضلة ليبيا إلى البحث عن حلول وسطية للتوفيق بين مقتضيات الأمن القومي ومتطلبات السياسة الخارجية. فالقوات المسلحة الليبية تبنت سياسة تقوم على ضبط الأمن الداخلي كشرط أساسي قبل أي انخراط خارجي، من خلال تعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية والشرقية، وتجفيف منابع تمويل الجماعات الإرهابية، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة التي تربطها علاقات تحالفية مع الجماعات الإرهابية في دول الساحل. وبهذا، كان تركيز ليبيا على الداخل مدخلًا لممارسة دورها الإقليمي بشكل غير مباشر، يقوم على منع انتقال التهديدات إلى أراضيها أولًا ثم التنسيق مع دول الجوار في حدود ما لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية .
وفي هذا الإطار، برزت القوات المسلحة الليبية كلاعب رئيسي في تجسيد هذا الخيار، إذ ركزت على مواجهة الجماعات الإرهابية داخل الأراضي الليبية، ومنعها من استخدام الجنوب الليبي كقاعدة لوجستية أو ممر للأسلحة باتجاه دول الساحل. كما انخرطت ليبيا في جهود سياسية ودبلوماسية غير مباشرة، مثل رعاية حوارات بين أطراف النزاع في دول الجوار، أو المشاركة في آليات إقليمية للتشاور الأمني، مع الامتناع عن إرسال قوات مقاتلة خارج الحدود الليبية .
غير أن هذا الموقف لم يمنع ليبيا من لعب دور إقليمي ملموس؛ فقد عملت على التنسيق الأمني الثنائي والمتعدد الأطراف مع دول مثل مصر وتشاد والنيجر ، بهدف مراقبة الحدود ومكافحة تسلل الجماعات الإرهابية، إلى جانب التعاون الاستخباراتي لمواجهة تهديدات التنظيمات المتطرفة. كما ساهمت ليبيا، على المستوى الإنساني، في استقبال آلاف المهاجرين واللاجئين القادمين من دول الساحل والنيجر وتشاد، وقدمت مساعدات إنسانية عبر قنوات مختلفة، وهو ما يعكس انخراطًا غير مباشر في إدارة أزمات الجوار
إن هذه المقاربة الليبية القائمة على أولوية الداخل على الخارج، مكّنتها من التوفيق بين الدفاع عن أمنها القومي ومراعاة ثوابتها في السياسة الخارجية. فهي من جهة، حافظت على مبدأ عدم التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، ومن جهة ثانية، أدت دورها الإقليمي في مكافحة الإرهاب عبر حماية حدودها، والتنسيق مع جيرانها، والانخراط في جهود دبلوماسية وأمنية غير صدامية. وبهذا، فإن خيار ليبيا الاستراتيجي لم يتعارض مع مبادئها المعلنة، بل عكس سعيها لإيجاد صيغة وسطية تضمن أمنها الداخلي أولًا، ثم تسمح لها بالمساهمة في استقرار إقليمي هشّ دون الدخول في مواجهات عسكرية خارجية قد تُقوّض سيادتها أو تزيد من أزماتها الداخلية .
و تشكل معادلة “الداخل والخارج” إحدى أكثر المعضلات تعقيدًا في السياسة الليبية المعاصرة، خصوصًا في ظل تنامي التهديدات الإرهابية وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية للانخراط في ترتيبات أمنية عابرة للحدود. فليبيا، مثلها مثل باقي دول الإقليم، تجد نفسها أمام تحدٍ مزدوج: حماية أمنها الوطني من جهة، والمساهمة في الأمن الإقليمي من جهة أخرى، دون أن تقع في تناقض مع ثوابتها المتمثلة في احترام سيادة الدول وعدم التدخل المباشر في شؤونها .
كما مارست ليبيا دورًا غير مباشر من خلال استقبال آلاف اللاجئين، وتقديم مساعدات إنسانية، ورعاية حوارات بين أطراف متنازعة في دول الجوار. وبهذا، حافظت على مبدأ عدم التدخل المباشر، وفي الوقت نفسه ساهمت في استقرار المنطقة بشكل غير صدامي.⁶
غير أن هذا التوجه اصطدم بتحديات نظرية الدور في السياسة الخارجية، إذ وجدت ليبيا نفسها بين معضلتين: التدخل عسكريًا خارج حدودها بما يعنيه ذلك من مساس بمبدأ السيادة وعدم التدخل، أو الاكتفاء بالمراقبة مما قد يُفهم كنوع من التقاعس أمام تمدد التهديدات الإرهابية في دول الجوار.
وللتوفيق بين هذه الاعتبارات، تبنت ليبيا حلاً وسطًا تمثل في إعطاء الأولوية لضبط الأمن الداخلي، والانخراط في تنسيق أمني ثنائي مع دول الجوار كـمصر وتشاد والنيجر والسودان، إلى جانب المشاركة في آليات إقليمية للتشاور دون إرسال قوات خارج أراضيها. كما مارست دورًا إنسانيًا ودبلوماسيًا عبر استقبال اللاجئين ورعاية المفاوضات والحوار بين الأطراف المتنازعة.
وقد سمحت هذه المقاربة لليبيا بالحفاظ على ثوابت سياستها الخارجية القائمة على عدم التدخل، والمساهمة بشكل غير مباشر في استقرار منطقة الساحل، فضلًا عن تعزيز موقعها كفاعل إقليمي يحمي حدوده دون الانجرار إلى تدخلات عسكرية قد تُضعف سيادتها. وهكذا، يظهر خيار “أولوية الداخل على الخارج” باعتباره مقاربة براغماتية واقعية تجمع بين حماية الأمن القومي واحترام الثوابت التاريخية للسياسة الليبية.
ثالثًا: انعكاس الدور الإقليمي الليبي على المقاربة الاقتصادية والتنموية.
تُعدّ هشاشة الدولة إحدى أبرز الإشكاليات البنيوية التي تواجه العديد من دول الإقليم، حيث تتجلى في ضعف مؤسساتها السيادية، وتفكك بنيتها الاجتماعية، وعجزها عن بلورة سياسات أمنية وسياسية قادرة على الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية. هذا الوضع الهش جعل من تلك الدول بيئة خصبة لتمدّد التهديدات العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالإرهاب، أو الجريمة المنظمة، أو التدخلات الأجنبية التي تستغل فراغ السلطة. كما أن العجز السياسي في إدارة التوازنات الداخلية وتوظيف الموارد المتاحة يعمّق من انكشافها الأمني، ويضعها في موقع التابع أكثر من الفاعل في المعادلة الإقليمية. ومن ثمّ، فإن فهم مظاهر هشاشة هذه الدول لا ينفصل عن تحليل أسباب ضعف بنيتها المؤسسية، وتداعيات غياب الرؤية الاستراتيجية القادرة على التوفيق بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات الاستقرار السياسي.
يُطرح هنا تساؤل جوهري: هل سيؤدي انخراط ليبيا في دور إقليمي يرتكز أساسًا على البُعد الأمني إلى إضعاف المقاربة الاقتصادية والتنموية لصالح القضايا الأمنية المحلية؟
إن هذا التساؤل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمحددات الدور الإقليمي الليبي في المرحلة الراهنة، حيث برزت الأولوية الأمنية كخيار استراتيجي للقوات المسلحة الليبية من أجل حماية الداخل أولًا، قبل الانتقال إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية. فالتحديات الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل والجنوب الليبي، وانتشار التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة وشبكات التهريب، فرضت على ليبيا إعطاء الأسبقية للدبلوماسية الأمنية تحت سقف ثوابتها السياسية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
و تعاني معظم دول الإقليم من هشاشة سياسية وأمنية، وضعف مؤسسات الدولة، وتفكك البنى الاجتماعية، ما جعلها بيئة خصبة لتمدّد الإرهاب والجريمة المنظمة.⁷ هذا الواقع فرض على ليبيا أن تجعل المقاربة الأمنية أولوية قصوى لحماية الداخل أولًا.⁸
شكلت الجهود الليبية في صناعة الاستقرار الإقليمي استثمارًا مباشرًا في الأمن المحلي، إذ سعت ليبيا إلى منع تحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة للجماعات الإرهابية. وقد تجسدت هذه المقاربة في تعزيز قدرات القوات المسلحة بالجنوب وتأمين الحدود، إلى جانب إطلاق مبادرات للتنسيق الأمني مع مصر وتشاد والسودان والنيجر. كما انخرطت ليبيا في مسارات المصالحة السياسية الداخلية وخفض بؤر التوتر، فضلاً عن أدوار إنسانية تمثلت في استقبال اللاجئين وتقديم الدعم لمناطق منكوبة في دول الجوار.
ورغم ضخامة الموارد الموجهة إلى المجال العسكري والأمني، فإن ذلك لم يكن على حساب المسار التنموي. فبفضل مواردها النفطية ودعم بعض الشركاء الإقليميين، واصلت ليبيا تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية وتحسين الخدمات العامة، وإن كان بوتيرة متذبذبة بسبب الأوضاع الداخلية. وتبين التجربة الليبية أن الأمن ليس بديلاً عن التنمية بل شرط مسبق لها، إذ لا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو اجتماعي أن ينجح في ظل الفوضى، ما يجعل المقاربة الأمنية خطوة تمهيدية ضرورية لفتح المجال أمام التنمية المستدامة.
وقد جسدت الجهود الليبية في صناعة الاستقرار الإقليمي استثمارًا مباشرًا في الأمن المحلي، من خلال تعزيز قدرات القوات المسلحة في الجنوب وتأمين الحدود، وإطلاق مبادرات للتنسيق الأمني مع دول الجوار. ورغم ضخامة الموارد الموجهة للجانب الأمني، فإن ذلك لم يكن على حساب المسار التنموي، حيث واصلت ليبيا مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية والخدمات العامة، وإن بوتيرة متذبذبة.⁹
إن التجربة الليبية تُظهر أن الأمن ليس نقيضًا للتنمية، بل شرط أساسي لنجاحها. فأي مشروع اقتصادي في بيئة من الفوضى محكوم عليه بالفشل. ومن هنا، مثلت المقاربة الأمنية خطوة تمهيدية لتهيئة المجال أمام التنمية المستدامة، وربطت بين حماية الداخل والمساهمة في استقرار الإقليم.¹⁰
إن الدور الإقليمي لليبيا في مكافحة الإرهاب في الساحل لم يكن تعبيرًا عن سعي وراء الزعامة، بقدر ما كان استجابة لضرورات الأمن القومي. فقد اعتمدت ليبيا على مقاربة دفاعية براغماتية، تقوم على أولوية الداخل، مع الانخراط الإقليمي في حدود ما لا يتعارض مع ثوابتها. وبهذا، نجحت في الجمع بين حماية أمنها الوطني والمساهمة في استقرار الساحل، ممهدة الطريق لمشاريع اقتصادية وتنموية مستقبلية.¹¹
رابعًا: التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي وتأثيرها على دور ليبيا الإقليمي.
منطقة الساحل الإفريقي من أهم المناطق التي شهدت ازدياد التهديد الإرهابي والجريمة المنظمة في العِقد الأول من هذا القرن؛ إذ اتجه مستوى السلام في دول المنطقة نحو مزيدٍ من النزاعات بمشاركة جماعات متطرفة متعددة. وقد تزايد عدد التنظيمات الإرهابية حتى بلغت أكثر من 64 تنظيمًا ناشطًا في إفريقيا. ومن اللافت للنظر كثرةُ التنظيمات فضلًا عن حرصها على الحفاظ على هويتها، وعدم انخراطها في بوتقة التنظيمات الكبرى العابرة للحدود كداعش والقاعدة.
كما تُعَدّ منطقة الساحل الإفريقي إحدى أكثر المناطق هشاشة أمنيًا في العالم، حيث تداخلت فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع ضعف البنى المؤسسية وانعدام التنمية، مما وفّر بيئة خصبة لنمو وتوسع التنظيمات الإرهابية. وقد باتت هذه التنظيمات لاعبًا مركزيًا في المشهد الإقليمي، لا سيما في ظل عجز دول المنطقة عن ضبط حدودها الشاسعة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الدور الإقليمي لليبيا التي تتقاطع جغرافيًا مع فضاء الساحل والصحراء.
وُلدت ولاية غرب إفريقيا بعد مبايعة زعيم تنظيم بوكوحرام أبي بكر شيكاو لأبي بكر البغدادي، في مارس 2015، ولم يدُم الحال أكثر من عام؛ إذ عزَل تنظيم داعش في أغسطس 2016، أبا بكر شيكاو، وعيَّن أبا مصعب البرناوي خلفًا له، وهو المتحدث الرسميُّ للحركة، فضلًا عن كونه ابنَ مؤسس الحركة محمد يوسف. ونتيجة لرفض شيكاو هذا القرار، وإعلانه تمسكَه بحركة بوكو حرام، انقسم الفرعُ إلى قسمين؛ الأول بزعامة البرناوي ومعــه قرابـــة (3500 مقاتل)، والثاني بزعامة شيكاو ومعه قرابة (ألف مقاتل).
1-تنوع التنظيمات وتعدد مرجعياتها الأيديولوجية من التهديد إلى الفرصة مسارات العمل الاستراتيجية .
تنشط في منطقة الساحل تنظيمات متباينة من حيث الولاء والانتماء، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة، والتي تمكنت من بناء شبكة تحالفات مع مجموعات محلية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. في المقابل، برز تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى كامتداد مباشر لتنظيم داعش، ليدخل في منافسة وصراع دموي مع القاعدة، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد الأمني. أما بوكو حرام و”ولاية غرب إفريقيا” التابعة لداعش فتمثلان تهديدًا إضافيًا لحوض بحيرة تشاد، مع إمكانية تمدد نفوذهما باتجاه الشمال. هذا التعدد التنظيمي خلق فسيفساء متناقضة لكنها متكاملة من حيث التهديد، حيث تتشارك جميعها في استهداف الاستقرار الهش في المنطقة وتوظيف شبكات التهريب العابر للحدود.
2-التأثير المباشر على الأمن الليبي.
الموقع الجغرافي لليبيا يجعلها المتأثر الأول بنشاط هذه التنظيمات، إذ تشكل الحدود الجنوبية الممتدة مع تشاد والنيجر ومالي معبرًا رئيسيًا لحركة المقاتلين والسلاح. وقد تحولت مناطق مثل سبها ومرزق والكفرة إلى نقاط تماس بين الجماعات الليبية المسلحة وتنظيمات الساحل. كما أن انهيار مؤسسات الدولة الليبية بعد 2011 ساعد على تحويل البلاد إلى مخزن ضخم للسلاح، تم تهريبه بكثافة إلى الجماعات الإرهابية في مالي والنيجر. وبالإضافة إلى ذلك، وفّر بعض المقاتلين الليبيين دعمًا لوجستيًا أو حتى ملاذات آمنة للتنظيمات المرتبطة بالقاعدة وداعش، مما عزز اندماج الساحة الليبية ضمن المشهد الإرهابي الأوسع في الساحل.
3-انعكاسات على الدور الإقليمي لليبيا.
تواجه ليبيا تحديًا استراتيجيًا في كيفية التعامل مع تهديدات الساحل، حيث انعكس الأمر على قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل. فمن جهة، ينظر الجوار الإفريقي إلى ليبيا بوصفها “خاصرة رخوة” تهدد الأمن الإقليمي بسبب هشاشة مؤسساتها وتعدد مراكز القوة داخلها. ومن جهة أخرى، تمتلك ليبيا فرصة لإعادة بناء دورها الإقليمي إذا ما تمكنت من ضبط حدودها والانخراط في الأطر الإقليمية لاتحاد الإفريقي. إن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من كونها مصدر تهديد إلى كونها شريكًا أمنيًا يُسهم في استقرار المنطقة.
تشير المعطيات إلى أن التنظيمات الإرهابية في الساحل ليست مجرد تهديد أمني عابر، بل هي عامل بنيوي يحدد ملامح الدور الليبي في إفريقيا. فإذا بقيت ليبيا رهينة الانقسامات الداخلية، ستظل ساحة مستباحة لهذه التنظيمات، ما يضعف حضورها الإقليمي. أما إذا تمكنت من إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والانخراط في التعاون الإقليمي والدولي، فإنها قد تتحول إلى فاعل رئيسي في معادلة مكافحة الإرهاب في الساحل والصحراء، بما يعيد صياغة دورها الإقليمي من الهامش إلى المركز.
رغم جسامة التحديات الأمنية التي يفرضها الإرهاب والتهريب في الصحراء الكبرى، إلا أن ليبيا تمتلك حزمة من الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن تتحول إلى عناصر قوة إقليمية إذا ما جرى توظيفها بذكاء سياسي:
الموقع الجغرافي: يشكّل الجنوب الليبي عقدة وصل طبيعية بين المتوسط وإفريقيا الصحراوية، ما يمنح ليبيا موقعًا لوجستيًا محوريًا لإعادة توجيه حركة التجارة القانونية عبر ممرات آمنة.
المجتمعات المحلية كضامن اجتماعي: تتمتع القبائل والمجالس المحلية بقدرة على لعب دور الوسيط الاجتماعي والسياسي، مما يتيح إشراكها في صياغة تفاهمات محلية–إقليمية تقلل من مخاطر النزاعات وتزيد من شرعية الدولة.
سلاسل القيمة البديلة: يتيح الاستثمار في الخدمات اللوجستية وصيانة الطرق ومشاريع الطاقة الشمسية وحلول التبريد والتموين فرصًا لبناء اقتصاد موازٍ يحدّ من تغلغل شبكات التهريب.
تُظهر التجربة الميدانية في الصحراء الكبرى أن التهديدات الأمنية والاقتصادية العابرة للحدود ليست قدرًا محتومًا، بل يمكن أن تتحول إلى فرص استراتيجية إذا ما أُحسن توظيفها. أول المسارات المقترحة يتمثل في حوكمة الحدود الذكية، حيث يمكن لليبيا أن تتحول من دولة هشّة إلى فاعل ضامن للأمن عبر إنشاء منظومة متكاملة من المراقبة المتعددة المستويات، تشمل تقنيات أرضية وجوية واستشعارية، مدعومة بمسيّرات قصيرة المدى لمراقبة المساحات النائية. إن تأسيس غرف قيادة جنوبية موحّدة وربطها بالمراكز الوطنية يضع الأساس لشبكة إنذار مبكر فعّالة. كما أن تبسيط اتفاقيات عبور السلع القانونية يمثّل خطوة استراتيجية لتقويض جاذبية السوق السوداء، عبر تحويل النشاط التجاري من المسارات غير الرسمية إلى قنوات قانونية مدعومة بشرعية الدولة.
المسار الثاني يتجسد في إرساء وساطة أمنية محلية–عبر حدودية قادرة على احتواء النزاعات قبل انفجارها. في هذا الإطار، فإن إنشاء مجالس تهدئة ثلاثية (محلية–أمنية–قبلية) يشكل بنية استباقية لتفكيك الأزمات في مهدها. اعتماد آليات تعويضات محدودة وسريعة يسهم في امتصاص الغضب المحلي ويحول دون تصعيد النزاعات الصغيرة إلى مواجهات مسلحة واسعة. كما أن وضع بروتوكولات لتبادل الموقوفين والمعلومات التكتيكية بين نقاط الاتصال الحدودية يرسّخ ثقافة التعاون الأمني بدل الانغلاق الوطني الضيق، ويُنتج ديناميات إقليمية جديدة تعيد صياغة العلاقة بين ليبيا وجوارها في فضاء الساحل.
أما المسار الثالث فهو بناء ممرات لوجستية وتنمية موجهة، تشكّل بمثابة العمود الفقري لتحويل الجنوب من منطقة «عسكرة» إلى محور اقتصادي مشروع. تطوير ممرات سبها–أغاديز/دركو وغدامس–غات، وما يتبعها من محطات خدمة ومخازن تبريد ومراكز جمركية مبسطة، يتيح خلق بيئة اقتصادية بديلة تُشرك الشباب في أعمال النقل والصيانة والحراسة والتموين، بدل أن يظلوا وقودًا لاقتصاد التهريب. يتكامل هذا المسار مع إنشاء مركز ليبي للجاهزية الصحراوية ومكافحة الإرهاب، يكون منصّة لتدريب العمليات الميدانية وتطوير أدوات تتبع التمويلات غير المشروعة والطب الشرعي، فضلًا عن جناح متخصص لإدارة مفاوضات الرهائن. هذه الرؤية لا تنفصل عن مسار خامس جوهري، هو بناء اقتصاد بديل يُجفّف بيئة التهريب عبر إدماج الأنشطة التقليدية ضمن الاقتصاد الرسمي من خلال رخص تعدين أهليّة مراقبة، ووحدات متنقلة لشراء الذهب، واستثمارات في الطاقة الشمسية والمياه والخدمات اللوجستية. بهذا تصبح ليبيا قادرة على إعادة صياغة معادلة «التهديد–الفرصة» وتحويل الجنوب من نقطة هشاشة إلى ركيزة نفوذ إقليمي مستدام.
الخلاصة
إذا أرادت ليبيا أن تتحرر من صورة «الدولة الحدودية الهشة» وتعيد تعريف ذاتها كفاعل استراتيجي في فضاء الساحل الإفريقي، فعليها أن تتبنى رؤية متكاملة تمزج بين الأمن الذكي والدبلوماسية المحلية والتنمية الموجهة. نجاح هذه الرؤية ليس رهينًا بقدرات الدولة المركزية فحسب، بل مرتبط أيضًا بمدى قدرتها على إشراك المجتمعات المحلية كشركاء في الأمن، وتحويل ممرات التهريب إلى ممرات قانونية، وتدوير موارد الصحراء من هامشية غير مشروعة إلى اقتصادات بديلة قادرة على الاستدامة. إن تحويل الجنوب من «هامش تهديد» إلى «نطاق نفوذ» يمثل الفرصة الكبرى أمام ليبيا لصياغة دور إقليمي جديد يعزز مكانتها في المعادلة الأمنية والسياسية للقارة الإفريقية.
الهوامش
1-عقيلة، ساره سعد محمد. مقاربة الأمن والدبلوماسية الليبية في الساحل الإفريقي (بنغازي: جامعة قاريونس، 2023)، 45.
2-بوحنية، قوي. الجزائر ومكافحة الإرهاب في الساحل: مقاربة أمنية (الجزائر: دار الأمة، 2015), 102.
3-أحمد، عبد الله. الأمن الإقليمي في الساحل الإفريقي: التحديات والاستجابات (القاهرة: المركز العربي للأبحاث، 2020), 88.
4-المنقوش، نجلاء. السياسة الخارجية الليبية: بين التحديات والفرص (طرابلس: مركز الدراسات السياسية، 2021), 55.
5-عقيلة، مقاربة الأمن والدبلوماسية الليبية في الساحل الإفريقي, 68.
6-بشكيط خالد المقاربة التنموية في مواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي جامعة الجزائر 3 سنة النشر: 2018
7- الإرهاب في الساحل وغرب إفريقيا: تهديد متعدد الأبعاد.” Africa Eye, 14 فبراير 2025.
8-رشا عطوة عبدالحكيم ضبيش، “التدخل الدولي وتأثيره على ظاهرة الإرهاب: دراسة حالة الدولة الليبية”، مجلة السياسة والاقتصاد، المجلد 14، العدد 13 (يناير 2022): 5-7،
9-نفس المرجع، ص. 12-15.
10-نفس المرجع، ص. 20-25.
- تعليقات فيسبوك
- تعليقات
