ما مصير التواجد الروسي في سوريا بعد الأسد؟

المغربية المستقلة  : للكاتب أيوب نصر/ كاتب مهتم بالشأن الأوراسي والعلاقات الدولية

توطئة

من الأسئلة التي تطرح نفسها الآن، بعد التحرك الأخير للمعارضة السورية، وبسط يدها على حلب وحماة وإدلب وريف حمص وغيرها وتوجه الأنظار إلى دمشق، هو: ما مصير التواجد الروسي في سوريا في حالة سقوط نظام الأسد؟ وهل ستقبل المعارضة، إذا تولت الحكم، بقاء الروس في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية؟؟ خاصة أن الروس، ونظرا لتوسعهم الإفريقي، وصراعهم مع الغرب على استقطاب الدول العربية والإفريقية، هم أكثر حاجة إلى القاعدتين لوصولهم إلى شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء.

أهمية الدول العربية والافريقية للروس

في الوقت الذي انتظر فيه الجميع أن يذهب الروس إلى وأد هذا التحرك في سوريا، خاصة بعد دخول الثوار وقوى المعارضة حلب، وتقديم غطاء جوي للقوات النظامية الرةسية ومن يدعمها من الفصائل الإيرانية على الأرض، إن لم يكن حبا في الأسد في النظامه فحماية لمصالحهم الحيوية وأبعادهم الاستراتيجية، لكن الروس أصروا على تخييب آمال المنتظرين، وأثاروا الركون إلى متابعة الأحداث غير متدخلين فيها او فاعلين في تطوراتها، مكتفين ببعض المجاملات الإعلامية.

ذهب المحللون والمتابعون إلى أن هذا الركون والسكون الروسي إنما مرده للإنشغال بالصراع في أوكرانيا، لكن أهم ساحات الصراع في أوكرانيا وأهم العوامل المؤثرة فيه هو العالم العربي والإفريقي.

إن الذي سيتمكن من التوسع في المنطقة العربية والإفريقية، هو الذي سيتمكن من تحديد موعد إيقاف الحرب الأوكرانية وبدء المفاوضات، ولعلك تسألني كيف ذلك؟؟ أقول لك: إن الغرب، وبقيادة الولايات المتحدة، يرغب في كسب مواقف الدول العربية والإفريقية، لأجل عزل روسيا عالميا، وحتى تكون للعقوبات أثر قوي على اقتصادها، فتحشر في الزاوية، ولا يكون أمامها حل إلا الخنوع والذهاب إلى المفاوضات وهي في حالة من الذل والخضوع، راضية مرضية بما يفيء عليها به الغرب.

ولكن إذا تمكنت روسيا وآلتها الدبلوماسية، من جلب الدول العربية والإفريقية إليها وكسب ثقتها وبناء علاقات جيدة معها، فإن هذا سيجعل روسيا في فسحة من الظروف الاقتصادية، ستتمكن معها من إطالة زمن الحرب، واستنزاف الغرب، فيضطر الغرب بعد ذلك إلى البحث عن طاولة المفاوضات والرضى بكل الشروط الروسية، وهذا الذي تنشده روسيا وترجو تحقيقه من خلال ما تقوم به من تحركات ديبلوماسية وجولات في الدول العربية والإفريقية.

وقاعدة طرطوس وحميميم تعتبران المنفذ الروسي إلى أهم الدول العربية والقارة الإفريقية، ولا يمكن للروس أن يتخلوا عنها لانشغالهم بالصراع الأوكراني، بينما أهم العوامل لحسم الصراع الأوكراني هي الدول العربية والإفريقية، والقاعدتان السوريتان هوما المنفذ الوحيد للروس على أغلب الدول العربية والدول الإفريقية.

هل تخلى الروس عن تواجدهم في سوريا؟

للجواب على هذا السؤال، لابد من استحضار أهمية تركيا بالنسبة للمعارضة وبالنسبة للصراع الروسي الغربي، فتركيا تعتبر الداعم الأول للمعارضة السورية، كما أنها في الوقت نفسه تقوم مقام الخط الساخن بين روسيا والغرب في الازمة الأوكرانية، وذلك أنه قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد أن تأكد الجميع من أنه لا مفر من الحرب، قام الرئيسان الفرنسي والألماني بزيارة موسكو والجلوس مع سيد الكريملن، ومن أهداف تلك الزيارتين الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين الغرب وروسيا، لكن الإنطباع الذي عادا به هو أنهما ليسا محل ثقة عند الرئيس بوتين حتى يقوم أحدهما بهذا الدور، وهنا إتجهت الأنظار نحو الرئيس التركي، ليقوم بهذا الدور ويكون لاعب الربط بين الطرفين، الروسي والغربي، والذي ساهم في لعب تركيا هذا الدور، هو عامل الثقة المتواجدة بين بوتين وأردوغان.

وهذه الثقة لا يحب اي طرف أن يتم فقدانها، لأنها تلعب دورا مهما في عدم توسع الصراع في أوكرانيا وخروجه عن السيطرة، وأي تصرف من الأتراك في مجال يعتبر حيويا واستراتيجيا للروس، ويعولون عليه في صراعهم مع الغرب، سيؤذي حتما إلى فقدان الثقة، وانقطاع خط الإتصال الساخن، ولهذا يستبعد أن يكون تحرك المعارضة، المدعومة من تركيا، دون تنسيق مسبق مع الروس ودون إعلامهم، ودون تقديم ضمانات لهم تحفظ مصالحهم في سوريا وخاصة في قاعدتي حميميم وطرطوس

ومما يزيد هذه القراءة قوة، أنه حين مد الرئيس التركي يده لبشار الأسد لأجل تطبيع العلاقات وتجاوز الخلافات، كان الروس يصرون إصرارا على الأسد أن يقبل بهذا العرض، لكنه رفض ولم يستجب، واختار عدم سماع كلمة الروس، مما زاد حنق الروس عليه، مما يجعلهم ينخرطون أو على الأقل لا يتدخلون ضد أي تحرك يهدف إلى إسقاط نظام بشار، إذا قدمت لهم الضمانات الكافية.

استنتاج

من المستبعد أن تفرط روسيا في تواجدها في سوريا، وذلك لأهمية ذلك في استمرار نفوذها الاستراتيجي عربيا وإفريقيا، كما أن دور تركيا في الأزمة الأوكرانية يحثها على عدم التصرف من غير توافق وإتفاق مع الروس حرصا على بقاء الثقة بينهما، وبالتالي بقاء تركيا كخط ساخن بين روسيا والغرب يحول دون تطور الصراع إلى نقطة اللاعودة.
لهذا فتحرك المعارضة الأخير لا يمكن أن يتم إلا باتفاق مع الروس، وبعد أن ضمنوا مصالحهم ففي سوريا قي حالة سقوط نظام الأسد.

Loading...