المغربية المستقلة :
كتاب الرأي : بقلم : سدي علي ماءالعينين فاعل سياسي وجمعوي من اكادير ؛

قد يقول قائل إن أي كتابة عن حزب العدالة و التنمية من طرف منتسب للإتحاد الإشتراكي هو تشفي او نقد مجاني بسبب النجاحات الإنتخابية لحزب العدالة و التنمية في مقابل الإنتكاسات المشهودة لحزب الإتحاد الإشتراكي ؛
لكن الإتحادي الذي يخلق مسافة بين الإنتماء الحزبي و بين رصد ما يقع للحزب الحاكم مع إستحضار مسار نكسة الإتحاد منذ حكومة جطو او حتى حكومة التناوب حسب قراءات أخرى ؛ يمكنه ان يقف عند واقع حزب العدالة و التنمية اليوم في ظل المخاض الذي يمر منه .
بداية وجب التأكيد على أن جرئة الحزب في رفع شعار :لا للتحكم كان من الممكن ان يكون مفتاحا لثورة هادئة في الحياة السياسية الوطنية بما فيها القطع مع صناعة الخرائط السياسية التي يمكن ان نوثق لأول رجة لفضحها برفض الكاتب العام للشبيبة الإتحادية محمد حفيض لمقعد قال عنه انه مزور و الذي كان قبيل حكومة التناوب ؛وكذا التزوير العقابي الذي مورس ضد البطل العالمي سعيد عويطة الذي ترشح بإسم الإتحاد الإشتراكي .
لكن شعار مواجهة التحكم تبين انه لم يكن سوى خطابا إنتخابيا فشل في أول إمتحان بسبب البلوكاج الذي عرفه تكليف بنكيران لتشكيل الحكومة ليخلفه العثماني ؛
وهنا مربط الفرس ؛ فقد كان بإمكان حزب العدالة و التنمية ترجمة مبدأ رفض التحكم بعدم قبول المشاركة في الحكومة برأس آخر غير بن كيران ؛ لكن الحزب وقع في نفس فخ الإتحاد الإشتراكي بقبول التضحية بأمينه العام و قبول المشاركة كما فعل الإتحاد الإشتراكي حين ضحى باليوسفي وقبول حكومة يرأسها وزير الداخلية جطو .
و الأدهى و الأمر و هو ما يقفز عليه مناضلوا الحزبين ان اليوسفي هو نفسه من دافع بقوة على مشاركة الإتحاد في حكومة جطو قبل محاضرة بروكسيل !
و بنكيران هو نفسه من وجه التصويت ضد ولايته الثالثة في مؤتمر الحزب ليفسح المجال للعثماني وبعدها تحركت كتائبه في شن حملة مسعورة ضد حكومة العثماني كما فعل الإتحاديون ضد وزراء حكومة جطو .
حزب العدالة و التنمية اليوم يمر من نفس جسر الإتحاد و بشكل افضع و امر ؛ ولكم ان تتصوروا كيف ان بنكيران الذي اتهم انه حرض كتائبه لتزعم المقاطعة الذي تحولت الى مقاطعة شعبية هو نفسه الذي خرج يدعو لوقفها فإلتزمت الكتائب الصمت ولم تقدر على مهاجمته فيما إستمرت في مهاجمة الوزراء و كان آخرها إعتبار مشاركة الداودي في مظاهرة عمال سنطرال إنحرافا عن مبادئ الحزب ترجمت الى خروجه من الحكومة .
الوضع لم يقف عند هذا الحد فالعارفون بالمطبخ الداخلي للعدالة و التنمية يقرون ان التماسك التنظيمي الذي عرف به الحزب و التشديد المؤسساتي داخل الحزب أصيب بالفتور بعد الإنتخابات الأخيرة بحيث ان المؤسسات التي كانت تشتغل بقوة وكانت قوة إقتراحية بناءة مثل مؤسسة الرؤساء و مؤسسة المنتخبين وجدت الامانة العامة إستحالة ضبطها و تشغيلها بسبب كثرة المستشارين (قرابة 5000 مستشار ) و كثرة الرؤساء(قرابة 1600 رئيس) ؛ هذه الفئة التي اصبحت تشكل تنظيما موازيا لهياكل الحزب و التي تخترق كل تنظيماته من نساء و شبيبة و نقابة و امانة عامة (بعد رفض مقترح التصويت على حالة التنافي بين مسؤولية الواجهات و المسؤولية التنظيمية ) و المجلس الوطني الذي يعتبر الرؤساء أعضاء مؤثرين فيه بشكل كبير .
هذه الوضعية ينضاف إليها ما يسمى ب( جيش الكتائب ) الذي أسسه بنكيران ببيته في اللقاء المعلوم و المنشور في الصحافة قبيل الإنتخابات و الذي تبين انه يكن بالولاء للزعيم وخارج ضبط و تحكم الامانة العامة الحالية ؛
و مما يزيد الوضع تعقيدا ان الجناح النقابي اصيب بالإنكسار بعد إستوزار محمد يتيم و أداءه الذي كان ضد كل تطلعات الحزبيين .
صورة قاتمة و مرحلة حرجة يمر منها الحزب تترجمها حالة الإنفلات في الفيس بوك التي كانت لسنوات خاصية يتفرد بها حزب الإتحاد الإشتراكي الذي مارس جلد الذاة ونشر الغسيل بلا وازع تنظيمي ؛ فوقع حزب العدالة و التنمية في نفس ماوقع فيه الإتحاد فأصبحت شبيبة الحزب صوت بنكيران المعزول اكثر من العثماني المنتخب ووصلت دروتها بإخراج ملصق مؤتمر للشبيبة بمراكش فيه كلمة بنكيران بلا صفة تنظيمية في الجلسة الإفتتاحية وهو الامر الذي تم تداركه بإلغاء النشاط.
وعلى مستوى عملية إنتخاب الأجهزة الجهوية و الإقليمية و المحلية فبقدرما يمكن استصغار الصراع بين جناح العثماني و بنكيران فإن اللافت للإنتباه هو هيمنة المستشارين المنتخبين على الأجهزة مما افقدها او سيفقدها دور التتبع و المراقبة و المواكبة و المحاسبة . وهو نفس الوضع الذي مر منه الإتحاد الإشتراكي .
و بالرغم من ان أصواتا تتجه نحو جعل إستقالة الداودي جزءا من نقاء صورة الحزب على قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة ؛فإن بلاغ الأمانة العامة الذي أعطى اهمية للكتابات الفيسبوكية التي هاجمت الداودي يبرز المأزق الذي يعيشه الحزب إعلاميا ؛
فبعد إغلاق الجريدة الورقية الناطقة بإسم الحزب ؛ وبعد غرق (البراح) بوعشرين في قضية الصحفيات ؛ و مع تزايد حدة معارضة الحكومة في فضاء التواصل الإجتماعي الفيس بوك من طرف مناضلي الحزب فإن الحزب اليوم أصبح بلا صوت رسمي خاصة ان بلاغات الامانة العامة جمدت منذ فترة ليست بالقصيرة .
المنتخبون يتخبطون في تسيير تبين انهم يفتقدون كثيرا من آليات ضبطه خاصة انهم يمارسون في غالبية الجماعات لوحدهم وبلا تحالفات كان من الممكن ان تضبط إيقاع التدبير ؛ و بمجالس جهات منحوها رغب أغلبيتهم العددية لأحزاب كانت حليفة في زمن بنكيران و اصبحت اليوم تنفلت من اي ضابط تحالفي ؛ زيادة عن إستقالات من هنا وهناك من مستشارين لم يكن يربطهم بالحزب سوى الترشح لشعبيتهم الإنتخابية ؛
وضع سيؤشر على صراعات مرتقبة و تطاحنات بسبب التزكيات في 2021 ؛و إذا كان التاريخ يعيد نفسه فيمكن التنبأ ان الحزب قد يعرف إنشقاقات/ إنسحابات قد تعصف بشعبية الحزب وقد يكون المؤهل للإستفادة منها هو حزب الإستقلال و التقدم و الإشتراكية اللذان يملكان آليات إستقبال هؤلاء !!
وبحيادية في التحليل يمكن ان اذهب الى القول ان التنظيمات الحزبية التي يمكن ان تشكل إستقطابا للأصوات ورضى الناخبين لا وجود لها اليوم على مستوى الممارسة الميدانية ؛ فالاحزاب الوطنية لازالت تتخبط في جمودها مع تسجيل تحركات محتشمة للإستقلال ؛ فيما حزبي الاصالة و المعاصرة و التجمع الوطني للأحرار يعيشان مشكلة هوية لإلصاقهما بالتحكم و المخزن و إستعمال المال الحرام في شراء الأصوات.
ولان الازمة في المغرب اليوم لم تعد ازمة إختيارات إديولوجية بقدرما هي ازمة إقتصادية فإن النقابات تخلت عن ادوارها ولحقها من الفساد ما جعلها بعيدة عن تطلعات المواطنين و هو ما ترجمه حجم التجاوب الهزيل مع مسيرات فاتح ماي الأخير.
امام هذه المعطيات مجتمعة ؛فإن الشعب الذي أبدع المقاطعة إن هو لم يقدر على إبداع حركات شبابية قادرة على الإنخراط في المؤسسات المنتخبة فإن مسلسل إستراتيجية النضال الديموقراطي ستنهار و سيكون صوت العزوف الإنتخابي هو الذي سيسود مع الحفاظ على نفس الوجوه بالمؤسسات المنتخبة التي تربط التصويت بلعبة التسجيل في اللوائح الإنتخابية وربط المشاركة بمصالح فئوية او شخصية تحول المجالس المنتخبة الى مجالس مصالح وليس مجالس المصلحة العامة .
الأمر في تقديري اكبر من إنهيار سريع لحزب فتي قد يسقط بكبوة من ظهر حصان الربيع العربي كما سقط قبله خيالة في دول مجاورة ؛ لكن الامر قد يصل الى إنهيار منظومة مؤسساتية بكاملها لان مكوناتها النقابية والحزبية فقدت مصداقيتها و جاذبيتها لدى الشعب.
فمن ينقدنا من هذا الوضع ؟
سؤال أكبر بكثير من تدوينة فيسبوكية !!!
فهل تعتبرون ؟
السابق بوست
- تعليقات فيسبوك
- تعليقات
