المغربية المستقلة : ابراهيم بوكروز
المشكلة ليست في المصادقة على النظام الأساسي لموظفي قطاع التربية والتعليم، وليست المشكلة في مجمل المشاريع الإصلاحية التي استهدفت اصلاح المنظومة التعليمية وبملايير الدراهم التي ذهبت أدراج الرياح، وليست المشكلة في الشعارات التي ترفعها الوزارة الوصية على القطاع من مثل مدرسة النجاح أو المدرسة الدامجة أو مدرسة الريادة، فهذه الأمور في نظري تبدو غير ذات قيمة لفهم ما ألت إليه لمدرسة العمومية من تدهور خطير، ولكن الأمر الخطير والذي يجب أن ينتبه له الجميع هي أن التعليم ليس في معزل عن الشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتحكم في ازدهاره أو تخلفه، وان المدرسة هي اليوم وبشكل أكثر من أي وقت مضى هي في صلب الصراع الطبقي، ولهذا فالملاحظ الواعي والفطن يكتشف للوهلة الأولى أن المدرسة التي يوهمنا صناع القرار السياسي أنها للجميع هي مجرد أكذوبة ونحن نرى كيف يتلقى أبناء النخب المتحكمة في المغرب تعليمهم، وكيف يتم حشر أبناء المهمشين في أقسام مكتظة تغيب فيها كل أشكال التحصيل الثقافي والمعرفي الذي يفيد هذه الناشئة، وكيف يتم تهييء أطر الدولة الذين سيتحكمون في مفاصل الدولة من خلال تعليمهم تعليما رصينا وفي معاهد ومدارس خصوصية تقدم مناهج تعليمية تستهدف كسب رهان المستقبل المعلوم، وكيف يتم تلقين أبناء عموم المغاربة في مدارس مهترئة زادها بؤس رجال التعليم وفقدانهم للحماسة وقد أصبحوا مجرد ريبوتات لتقيء الدروس…
الواقع ان الحديث عن مشاريع الإصلاح وعن غيرها من الاستراتيجيات للنهوض بهذا القطاع لن يكون مفيدا ألا بتغيير البنية العميقة التي تتحكم في هذا الخلل الخطير الذي يستنزف المدرسة العمومية وهذه الوضعية الشاذة هي ما عبر عنها المفكر الكبير محمد عابد الجابري في كتابه القيم” أضواء على مشكل التعليم بالمغرب” بقوله:” “لقد ورثنا من عهد الحماية نظاما تعليميا خططت له سلطات الاحتلال ليخدم حاجاتها وأهدافها الاقتصادية والسياسية والثقافية…و ورثنا من عهد الانحطاط بقايا تعليم وطني ركد بركود الأوضاع العامة، الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فجمد بجمودها، وانحط بانحطاطها..ونحن حينما نربط اليوم سياستنا التعليمية بهدف التوفيق بين هذين النظامين التعليميين، بين ((مدرسة)) ولى زمانها، و((مدرسة)) لم يعد هاهنا مكانها، إنما تتجاهل حاضرنا ومتطلبات غدنا، تحت وطأة البنية الاقتصادية والثقافية الاستعمارية التي تعق تقدمنا، وتأثير البنية الاجتماعية والفكرية، الاقطاعية المختلفة، التي تكبل انطلاقتنا، وتشوه علينا رؤانا”
مالم ننتبه الى البنية العميقة التي تتحكم فيها النخب المستحكمة في مقدرات الوطن، ومالم ننتبه إلى التخبط السياسي والاجتماعي والسياسي الذي يعيش على وقعه المغرب لن نستطيع فهم لماذا هي المدرسة اليوم في موتها السريري قبل أن تموت نهائيا وتغيب رسالتها التنويرية والتعليمية…
