رأي حر : الذات ، والأزمة في فعل الكتابة

المغربية المستقلة  :  بقلم  مصطفى حناوي من المملكة المغربية

الذي يكتب يكتب ذاته ويترجم أزمته هكذا يتأول بعض الناس _ سامحهم الله _ فعل الكتابة . فكأن الأزمات متعددة بتعدد الأفراد ، وكأن كل كتابة ذات من حبر على الورق ، في مثل هذا التفسير، المغرق في التبسيط يتم تغييب كل أساس إجتماعي ،لتصبح الكتابة مرتبطة بالفرد ، في هذه الحالة ، فلم يعد لها من مبرر على الإطلاق ، مادام القارئ / الفرد لن يجد فيها إلا ذات الكاتب / وأزمته .
أكاد أذهب من البداية مذهبا مخالفا تماما لأقول أن النص الذي يترجم أزمة الكاتب ، والكاتب / الفرد لا وجود لهما إلا في خيال من يعجزون عن اختراق السطح إلى العمق . ذلك أن كل أزمة هي أزمة إجتماعية ، مهما كانت تبدو في ظاهرها ، فردية ، وكل ذات هي مجموعة من التماهيات ، أي مجموعة من الذوات مثلما النص هو مجموعة من ” التناصات ” أي مجموعة من النصوص فكما يوجد الفرد ضمن نظام إجتماعي ، يوجد النص ضمن سياق ثقافي ، دون أن يعني ذلك أي نوع من المقابلة أو التعارض بين الإجتماعي والثقافي ، أو أي فصل بينهما ولسنا هنا أمام مهمة الخوض في بحث الكيف الذي يكون به النص الواحد نصوصا متعددة والذات ذوتا متعددة ، لكن السؤال الذي لابد من طرحه هو التالي : إذا إفترضنا تجاوزا أن الذي يكتب ذاته ويترجم أزمته ، فماذا عن الذي يقرأ ؟ ! هل هو يقرأ في الكتابة ذاته وأزمته ؟ أم هو يقرأ فيها ذاتا غير ذاته وترجمة غير ترجمته لأزمة الآخر التي هي غير أزمته ؟؟
لا اعتقد أن فعل القراءة يشترط في تحققه ، تواجدا بالموقع الذي منه يتحقق فعل الكتابة لأن هذا يعني توحد الذات ( أقصد الذات الإجتماعية ) بذاتها وهو ما يجعل الكتابة تغرق في ذاتية من نوع آخر بل أن الكتابة والقراءة فعلان ، أو قل سيرورتان جدليتان ، أي ترتبطان فيما بينهما إرتداطا جدليا ، إضافة إلى الحركة الديالكتيكية الداخلية لكل منهما يتحقق فعل الكتابة وفعل القراءة ، فتصبح بالتالي أمام قراءة / كتابة تقابلها كتابة / قراءة ، في وحدة وإختلاف ضروريتين تنعكس فيهما وحدة الكل الإجتماعي وتعقده ، من هنا ينافي طابع الفردية سواء على الكتابة أو القراءة لتصبح الذات في فعل الكتابة ذاتا في حاجة إلى مقابل لها هو ذات القارئ وتصبح الذات في فعل القراءة باحثة عن صورة أخرى لها ماثلة في النص ، في المكتوب . المقروء .
وإذا كان وجود أزمة ما محتملا فإنها لن تكون أبدا ، بناء على التصور السالف ، أزمة فردية ، الأزمات العاطفية مثلا ، تجد لها أساسا إجتماعيا لا يمكن إلغاؤه ، ومن هنا يصير كل ما هو مكتوب / مقروء إجتماعيا ، عند هذا الحد يبدو واضحا أن كل حكم ينطلق من ربط الكتابة بالذات أو بأزمة الذات هو رأي سطحي ، تبسيطي ساذج.
إن النقد ، في نظري ينبغي أن يضع نصب عينيه الإطلاع بمهمة البحث في تلك السيرورات الديالكتيكية التي تشكل الروح التي بها يولد كل مكتوب / مقروء ويحيا . . .وحينما أقول النقد فإنني لا أعني تلك التمنطقات أو الإمتعاضات الصادرة عمن لا صلة لهم ولا وصل إن بالكتابة أو بالقراءة . .

Loading...