كتاب الرأي : الإنتصارات الوهمية بقلم : أيوب نصر

المغربية المستقلة  : بقلم أيوب نصر

لقد ترددت كثيرا قبل أن أحمل القلم وأنزح إلى إنشاء هذه المقالة، وقد نازعتني نفسي كثيرا وقعدت بي دون الخوض فيه، وذهبت كل مذهب في نصحها إياي بعدم عدم معاكسة الجماهير، وتركهم في أوهامهم يتلذذون، وذكرتني في سخريتها المعتادة بمثل مغربي عامي، ماجن على عذوبته، وفاسق على بلاغته، وأخذت تضرب لي الأمثال بفلان و فلان، من الكتاب وحملة الأقلام، الذين نزحوا إلى مسايرة الجماهير، والعمل على زيادتهم وهما على أوهامهم، فنظرت في كلامها وقدرت، ثم خلصت إلى ضرورة العمل على إيقاظ الأمة من سباتها، وتنبيه أعين أبنائها، لعل في أنسالها الآتية جيل يرجع عن هذه الغفلة الكبيرة و الهوة السحيقة.
قبل أسابيع جرى حدث، من أحداث الأمة العظمى، وإنجازاتها الخالدة الكبرى، على توالي الحقب وتراخي العصور، فتفتقت بسببه الألسن، وفاضت به القرائح، وجرت عليه الأقلام، حتى خيل إلي من كل هذا وذاك، أنه عصر معاوية أو زمن الرشيد، هذا الحدث العظيم هو الإنتصار الذي تحقق بهروب الأسرى الفلسطينيين من السجن الإسرائيلي، وهو عند التحقيق لا يحمل شيئا، ولا يتضمن أي معنى من معاني الإنتصار، وقد قلبته على وجوه كثيرة لعلي أجد فيه ولو ذرة توهم أنه إنتصار فلم أظفر بشيء ولم أجد شيئا، وإنما هو داخل في البطولات الخيالية، والإنتصارات الوهمية، التي تعيش فيها الأمة العربية والإسلامية، منذ حين من الزمان.
ولو إفترضنا على السبيل الجدل، لا التسليم، أن الأمر تم حقا، وأن السجناء فروا فعلا، فأين هو هذا الإنتصار؟؟ وأين تتجلى معانيه؟؟ ومتى كانت الإنتصارات في تاريخ هذه الأمة الطويل العريض المليئء بالبطولات والإنتصارات، تقاس بالهروب؟؟، هي إنما أسئلة كثيرة تجول في ذهني وتتعب فكري، وتحملني فوق الذي أقدر عليه، فتجعلني ملزما بالبيان والإيضاح لأبناء هذه الأمة.
ومثل هذا ما روج له إعلاميا بعد حرب غزة الأخيرة، فتم التهليل له والتطبيل، وتصويره على أنه شيء كبير، وحدث عظيم، وقع في تاريخ الأمة المعاصر والحديث، وهو مع أول نظر تعرف أنه بعيد كل البعد عن كل ما قيل فيه.
لقد عجزت الأمة عن تحقيق الإنتصارات الحقيقية، وركنت إلى الضعف، وتعاقب عليها الليل والنهار وطال بها العهد، وهي على هذه الحال من الحياة والنمط من العيش، حتى فقدت معاني الإنتصار الحقيقي، ولم تعد تميز بينه وبين الإنتصار الوهمي، فما كان لها إلا أن تتوهم أنها تنتصر، أو يتم توهيمها أنها تنتصر، حتى أنها أدخلت الهروب والخراب في معاني النصر، وجعلت ذلك من المسلمات العقلية، والبديهيات الفكرية.
و أحب أن أختم مقالي هذا بشيء، لعل القاريء يجد فيه ما يجعله يعيد البصر كرتين، وهو كلام لرئيس الولايات المتحدة السابق، دونالد ترامب، حول جون ماكين، السيناتور الأمريكي، وأحد أبرز قادة الحزب الجمهوري، والملقب ببطل حرب الفيتنام، فقال دونالد ترامب، وهو يتكلم عنه، في ما معناه: ” كيف يلقب ببطل حرب وهو كان أسيرا؟؟”، فمهما إتفقنا مع ترامب، أو اختلفنا معه، إلا أنه كان قويا لدرجة مخالفة الجماهير العريضة التي كانت تعتبر ماكين بطلا.

كاتب مغربي, باحث في العقائد، والمدارس الفكرية، والاستشراق. nasrayoub2@gmail.com

Loading...