“خريف التفاح”.. متى تنضج الثمار؟ الفيلم الحاصل على تنويه من لجنة تحكيم مسابقة السينما العربية بمهرجان القاهرة السينمائى الدولى

المغربية المستقلة : بقلم : د / وليد سيف/ متابعة ابراهيم مهدوب

اكتسح فيلم خريف التفاح المغربى لمحمد مفتكر جوائز مسابقة مهرجان الفيلم الوطنى بطنجة لعام 2020 ، فهو لم يكتف بالجائزة الكبرى لكنه فاز أيضا بجائزة أفضل تصوير لرفائيل بوش، وجائزة النقد من الجمعية المغربية لنقاد السينما وكذلك جائزة الجمعية الوطنية للأندية السينمائية، كما شهد الأسبوع الماضى عرضه العالمى الأول فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى 42 وحصل على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة آفاق عربية.
يواصل مفتكر فى هذا الفيلم تأملاته السينمائية الفلسفية حول الشك والرغبة والجنس والخطيئة والمجتمع الكبير والأسرة، الممثلة فى ثلاث أجيال: الطفل سليمان وهو فى اﻟﻌﺎﺷرة ﻣن ﻋﻣره، يعانى من تجاهل الأب، واختفاء الأم فى ظروف غامضة بعد ولادته، الجيل الثانى يمثله الأب الذى يتنكر للطفل شكا منه فى أنه إبن خطيئة، أما الجيل الثالث فيمثله الجد المتعاطف مع الإبن فى أزمته، والجدة التى تحاول أن تعوض الحفيد عن غياب الأم وحرمانه من حنانها.
لا تنشغل كثيرا بالحكاية لأن مفتكر يدعوك لأن تنشغل بما وراء الحكاية، وهو يضع أمامك التساءلات التى يترك إجاباتها لك، والأمور المثيرة للتأمل التى تثيرخيالك وتفكيرك، عبر تفاصيل محدودة فى الحوار لكنها كثيرة فى المواقف والصورة المعبرة، وعلى رأسها شجرة التفاح التى زرعها الجد والتى يعتنى بها أشد الاعتناء لكنه لا يأكل من ثمارها باعتبارها شجرة الخطيئة طبقا للمعتقد الدينى، كما تتوالى الأسئلة التى يبحث لها الطفل عن إجابات مع مدرسه حول الدائرة والأشكال الهندسية.
بلغة فنية متقدمة بعيدا عن الأسلوب التقليدى فى السرد أو البناء الدرامى الكلاسيكى يصيغ مفتكر فيلمه، فيدعك تعايش كل شخصية من الشخصيات وتشاركها أزمتها وتتعاطف مع كل واحدة منها، مهما تعارضت مع بعضها، فلكل إنسان فى الكون دوافعه ومبرراته، بل إنك تتعاطف مع الأم الغائبة ذاتها حين تظهر، وتكتشف أنها تسكن بالقرب من منزل العائلة وتشاهد إبنها كل يوم.
وهو ينتهج أسايب خاصة فى اختياره لزواياه أو زاوية الرؤية التى نطلع منها على الأحداث وكأنها تخص كل شخصية من الشخصيات ومن منظورها هى وليس بعين محايدة، فالكاميرا بالنسبة له هى عين الشخصية وهو المعتاد فى غالبية أفلامه، وهى مسألة تتفق تماما مع أفكاره التى يؤمن بها والتى تطل من أعماله بقوة، فليس هناك حقيقة مطلقة، وكل ينظر إلى العالم والحياة من زاويته الخاصة.
تلعب الصورة دورا تعبيريا رئيسيا، فهى تكشف عن التناقضات والتحولات فى المشاعر والتلميح والتأكيد على المعانى الرمزية، كما أن مستويات الإضاءة تتفق مع الحالة والشخصية بنفس القدر والتمكن والتواصل بين المشاهد الداخلية والخارجية، وهو مايؤكد أيضا على استحقاق مدير التصوير رفائيل بوش لجائزته فى مهرجان طنجة، فالتعبير الجمالى للصورة لا ينفصل عن روح الشخصية ومشاعرها والأثر والمدلول الدرامى المبتغى منها وقد استطاع الفنان أن يحقق للصورة نقاءها وبعدها الجمالى، مع حرصه الشديد على إبراز البعد الدرامى وسيرورة الزمن وتتابعه.
يوظف مفتكر أيضا عنصر المكان والديكورات توظيفا بليغا، فكل الأشياء المحيطة بالشخصيات لها تأثيرها ودلالتها، ويظل وضع شجرة التفاح فى المحور والقلب من الحكاية، مما لا يشكل ثراءا فى الصورة فقط بل عمقا فى الفكر والتساءلات، وإن بالغ المخرج فى استخدامها للتأكيد على المعنى دون ضرورة.
نفس الأسلوب ينتهجه مع الإيقاع فهو يتمهل ويتأمل عندما تحتاج شخصياته لذلك ويتحرك ويندفع طبقا لأهوائها واحتياجها ورغباتها، فالإيقاع التقليدى يحركه الفعل والحدث، لكن الإيقاع فى خريف التفاح تصنعه الشخصية وتفرض عليه مشاعرها وأحاسيسها وترددها وحسمها وتحركها وتوقفها.
لا ينشغل مفتكر على الإطلاق بسرعة الإيقاع بمعناه التقليدى لأن الإيقاع الخاص بالعمل يرتبط باستيفاء جوانبه الموضوعية وتساءلاته وتأملاته الفلسفية، بل إن هدوء الإيقاع فى الفيلم بوجه عام هو تعبير عن حالة الركود والعجز عن الفعل التى تكبل الشخصيات.. وأيضا طبيعة القرية الجبلية التى تدور بها الأحداث، وهذا الارتباط الشديد بالمكان على الرغم من التجربة المؤسفة التى عاشتها الشخصيات فيه.
وبوجه خاص الأب المتمرد على الاستمرار فيه، وعلى أن يظل على وضعه كشجرة التفاح، أما الإبن سليمان الذى يشغل المساحة الأكبر من الاهتمام، فيبدو وكأنه فى رحلة بحث دائمة عن ذاته وعن أصله أو أمه، التى يبدو حضورها راسخا رغم الغياب، وكأنها شجرة التفاح التى تعطى ثمارها وهى راسخة بلا صوت ولا حركة لكن تأثيرها يفوح فى المكان.
يعتمد مفتكر على مجموعة من الممثلين المتمكنين والمخضرمين وكذلك على وجوه جديدة وشابة وفتية يوجههم بأسلوب سليم ويحقق التناسق بين الجميع، ويجعلهم يدركون عمق الشخصيات وطريقة التعبير عن مشاعرها الدفينة، والتى تبدو فى هذا الفيلم أهم مما يظهر على السطح، وكانوا جميعا على نفس المستوى المتميز رغم تفاوت الخبرات بينهم وكل منهم يمثل جيلا مختلفا.
يأتى على رأسهم سعد التسولي بأداء ناضج وبسيط بالاعتماد على المشاعر الداخلية التى تومض فى لحضات كاشفة، وكذلك فاطمة خير فى دور الأم التى استطاعت أن تترك أثرا قويا، فعلى الرغم من ظهورها المتأخر إلا أنها بحضورها الطاغى ظهرت كشريك كامل فى البطولة، كما استطاع المخرج أن يصنع حالة من الانسجام بين فريق الممثلين كلهم: نعيمة المشرقى، محمد التسولى، حسن بديدا، أيوب اليوسفى>.
يعد المخرج محمد مفتكر من أهم مخرجى السينما المغربية المعاصرين فهو بعد مسيرة حافلة بالجوائز الدولية عن أفلامه القصيرة: “ظل الموت” و”رقصة الجنين و”آخر الشهر” بدأت مسيرته الروائية فى عام 2010بالفيلم الطويل البراق الذى توج بثلاث جوائز كبرى بمهرجانات الوطني للفيلم بطنجة، والسينما الأفريقية في خريبكة، والسينما والتلفزيون الأفريقي في واجا دوجو ببوركينا فاسو، ثم واصل مسيرته مع الجوائز والإشادة النقدية مع أفلامه التالية «جوق العميان» الذى نال التانيت الذهبى فى قرطاج، ومحطة الملائكة بمشاركة هشام العسرى ونرجس النجار. Charafa Chérif Haouat.

Loading...