سبتة على حافة الانكشاف أسطورة السيادة الأوروبية تتهاوى أمام اختبار الحدود

المغربية المستقلة  :  سيداتي بيدا

لم يكن زلزال الثلاثين من يوليو على أسوار مدينة سبتة مجرد تدفق بشري عابر، ولا حادثاً أمنياً يمكن اختزاله في أرقام وإحصاءات، بل كان لحظة كاشفة عرّت هشاشة منظومة أمنية أوروبية ظلت لسنوات تتغنى بمنعة حدودها وصلابة سيادتها.

إن مشهد أكثر من 72 ألف إنسان وهم يخترقون الحدود في يوم واحد، وفق المعطيات المتداولة، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد أزمة هجرة، بل باعتباره اختباراً قاسياً لمنظومة الردع الأوروبية، كشف أن الأسوار التي طالما قُدمت باعتبارها حصوناً منيعة قد تتحول، تحت ضغط الأزمات، إلى خطوط رمزية عاجزة عن وقف التدفقات البشرية.

واليوم، تبدو مدريد أمام مأزق ثقيل. فطلب وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، دعماً أوروبياً ومساعدات طارئة وتعزيزات من وكالة “فرونتكس”، يعكس حجم الضغط الذي باتت تواجهه السلطات الإسبانية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف لدولة تمتلك مؤسسات أمنية واستخباراتية وقوانين سيادية أن تجد نفسها مضطرة إلى طلب تعزيزات خارجية لمواجهة أزمة تهدد استقرار إحدى بواباتها الحدودية؟

المفارقة أن الاتحاد الأوروبي، الذي جعل من حماية الحدود الخارجية إحدى أولوياته الاستراتيجية، يبدو في لحظات الاختبار الحقيقي أمام معادلة أكثر تعقيداً. فالأموال والمساعدات والتعزيزات الأمنية قد تخفف الضغط مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور أزمة تحولت من ملف إنساني إلى ورقة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

وما يحدث داخل سبتة من اكتظاظ للمهاجرين، وتوتر اجتماعي، واحتجاجات، وضغط متزايد على السلطات المحلية، يكشف أن الأزمة تجاوزت حدود التدبير الإداري التقليدي. إنها مواجهة مفتوحة بين قدرة الدولة على فرض قواعدها وبين واقع جغرافي وسياسي يجعل الحدود الجنوبية لأوروبا أكثر هشاشة مما تحاول بروكسل الاعتراف به.

والأخطر من ذلك أن استمرار إدارة هذه الملفات بعقلية رد الفعل، وانتظار لحظة الانفجار قبل التحرك، قد يمنح شبكات التهريب والجهات المستفيدة من الفوضى فرصة لتحويل الهجرة إلى أداة ضغط استراتيجية.

لقد أثبتت الأحداث أن السيادة لا تُقاس بارتفاع الأسوار وحده، وأن قوة الحدود لا تُختبر في البيانات الرسمية، بل في قدرتها على الصمود عندما تتعرض لضغط استثنائي.

إذا استمرت أوروبا في شراء الهدوء بالحلول المؤقتة، فإن أزمة يوليو قد لا تكون سوى إنذار مبكر لما هو أكبر. فإما أن تعيد صياغة مقاربتها للحدود والهجرة على أساس الحزم والمسؤولية المشتركة، وإما أن تجد نفسها أمام أزمات متكررة تكشف، مرة بعد أخرى، هشاشة الأسوار التي طالما تفاخر بها.

لقد سقط جزء كبير من القناع
ولم يعد السؤال
هل تستطيع اوروبا حماية حدودها ؟ بل اصبح السؤال الاكثر ألحاحا هل تملك الإرادة السياسية الكافية لاثبات ذلك عندما يبدأ الاختبار الحقيقي.

Loading...