المغربية المستقلة : يوسف حسن
تكشف التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن مسار المفاوضات بين لبنان و«إسرائيل» حقيقة تتجاوز كل العناوين الدبلوماسية المتداولة: ما يُسمّى في بيروت «مفاوضات» لا يبدو، وفق المنطق الأميركي والإسرائيلي نفسه، مساراً متوازناً يهدف إلى وقف الاعتداءات، بل مساراً يجري فيه الضغط على الجانب اللبناني لتقديم المزيد من التنازلات، من دون الحصول في المقابل على ضمانات واضحة بوقف العدوان الإسرائيلي.
قبل أيام، أعلن المبعوث الأميركي توم برّاك بوضوح أن المشكلة تكمن في أن «الأشخاص القادرين على اتخاذ القرار ليسوا على طاولة المفاوضات»، معتبراً أن أصحاب القرار الحقيقيين، بحسب تعبيره، هم حزب الله وإيران. وبعيداً عن تقييم هذا الموقف سياسياً، فإن كلام برّاك يكشف بوضوح طبيعة المقاربة الأميركية: وجود وفد لبناني رسمي على طاولة التفاوض لا يعني، في نظر واشنطن، أن هذا الوفد يمتلك القدرة الفعلية على فرض قرار أو تغيير المعادلة.
لكن الأخطر جاء في كلام السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي قال من على منبر دار الفتوى إن الولايات المتحدة «لم تتفق مع إسرائيل على أن توقف اعتداءاتها»، وربط توقف هذه الاعتداءات بمسألة سلاح حزب الله.
هذه العبارة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل تحمل دلالة سياسية شديدة الخطورة. فمعناها العملي أن وقف الاعتداءات الإسرائيلية ليس التزاماً مستقلاً أو حقاً للبنان، بل ورقة ضغط مشروطة بتحقيق المطالب الإسرائيلية والأميركية. أي أن إسرائيل تستطيع الاستمرار في القصف والقتل والتدمير والاحتلال، فيما يُطلب من لبنان أولاً تقديم التنازلات وانتظار نتائجها.
وهنا يبرز السؤال البديهي: إذا لم يكن وقف الاعتداءات الإسرائيلية جزءاً من التفاهم، فما هو موضوع التفاوض أساساً؟ وإذا كانت إسرائيل غير ملزمة بوقف القصف، فما الذي يحصل عليه لبنان مقابل كل تنازل يقدمه؟ وإذا كان أي انسحاب إسرائيلي مرتبطاً مسبقاً بنزع سلاح حزب الله، وبشروط أمنية وسياسية تضعها إسرائيل وتتحقق منها، فهل يمكن فعلاً وصف ما يجري بأنه تفاوض متكافئ؟
وفق هذه المعادلة، لن يكون من السهل إقناع الرأي العام اللبناني بأن المزيد من التنازلات سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من الضغط الأميركي على بنيامين نتنياهو. فالتجربة الحالية تقول العكس: الأولوية الأميركية تبدو منصبة على الضغط على الجانب اللبناني، بينما لا يظهر في المقابل التزام أميركي واضح بإجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها.
وهنا تحديداً تتضح الفجوة بين الخطاب اللبناني والخطاب الأميركي. ففي الوقت الذي يصر فيه الرئيس جوزاف عون على التفاوض باعتباره الطريق لتجنب التصعيد وحماية لبنان، يأتي السفير الأميركي ليقول بوضوح إن وقف الاعتداءات الإسرائيلية لم يكن موضع اتفاق. فكيف يمكن لمسار تفاوضي أن يحقق نتائج لمصلحة لبنان إذا كان الوسيط أو الراعي الأميركي نفسه لا يطالب إسرائيل بالتزام موازٍ؟
المسألة لا تتعلق فقط بالجنوب اللبناني، بل بمفهوم السيادة نفسه. استمرار الغارات الإسرائيلية، وقتل المقاومين والمدنيين، وتدمير القرى والبيوت، وتهجير السكان، ثم تقديم وقف هذه الاعتداءات باعتباره مكافأة مشروطة بتنازلات لبنانية، يعني عملياً تحويل العدوان العسكري إلى أداة لفرض شروط سياسية.
وهذا يضع الحديث عن «الحياد» و«تجنب الحرب» أمام اختبار حقيقي. فالحياد الفعلي لا يعني أن يُطلب من طرف واحد التخلي عن أوراق قوته، بينما يُترك الطرف الآخر حراً في استخدام القوة العسكرية. والوساطة الحقيقية لا تكون بتحميل المعتدى عليه مسؤولية إنهاء الحرب، فيما يُمنح المعتدي الحق في مواصلة عملياته حتى تحقيق أهدافه.
أما التطبيع مع «إسرائيل»، فلا يمكن اختزاله في كونه مجرد مناورة دبلوماسية أو وسيلة لتجنب الحرب. ففي ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات، يرى منتقدو هذا المسار أن التطبيع يتحول إلى قبول بالأمر الواقع الذي تفرضه القوة، وإلى منح شرعية سياسية لوضع قائم على القتل والتدمير والاحتلال. ولذلك فإن القضية ليست مجرد خلاف في الأسلوب الدبلوماسي، بل تتعلق بالسؤال الأساسي: هل يحدد لبنان خياراته الأمنية والسياسية وفق مصالحه الوطنية، أم وفق الشروط التي تضعها واشنطن وتل أبيب؟
الأكثر دلالة في المشهد الحالي هو أن التصريحات الأميركية نفسها تنسف فكرة أن المشكلة تكمن فقط في «طريقة التفاوض». فعندما يقول المبعوث الأميركي إن أصحاب القرار الحقيقيين ليسوا على الطاولة، فهذا يعني أن طاولة المفاوضات، من وجهة النظر الأميركية، ليست المكان الذي تُحسم فيه المعادلة فعلياً. الحسم يبقى مرتبطاً بموازين القوة وبالجهات القادرة على فرض قراراتها على الأرض.
وبالتالي، فإن إرسال الوفود والجلوس إلى الطاولة لا يكفي وحده. السؤال الحقيقي هو: من يملك القرار؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟ ومن يدفع ثمن عدم الاتفاق؟
إذا كان الجواب العملي هو أن إسرائيل تستطيع مواصلة عملياتها العسكرية من دون التزام بوقفها، بينما يُطلب من لبنان في المقابل تقديم تنازلات متتالية، فإننا لا نكون أمام تفاوض متوازن، بل أمام محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى السياسي والأمني في لبنان تحت ضغط النار.
من هنا، فإن الكلام عن أن «لا اتفاق مع إسرائيل على وقف اعتداءاتها» يجب ألا يمر كتصريح عابر. لأنه يعني، عملياً، أن لبنان يُطلب منه التفاوض تحت القصف، وأن وقف القصف ليس نقطة البداية في العملية السياسية، بل نتيجة مشروطة بقبول لبنان بشروط الطرف الآخر.
وهذا يفرض على الدولة اللبنانية سؤالاً سيادياً واضحاً: هل تقبل أن تكون المفاوضات مساراً للحصول على وقف مشروط للعدوان مقابل تنازلات متتالية، أم تتمسك بأن وقف الاعتداءات وانتهاك السيادة اللبنانية يجب أن يكونا أساس أي تفاوض؟
المشكلة إذن ليست في عدد الوفود التي تجلس إلى الطاولة، ولا في عدد التنازلات التي يمكن تقديمها، ولا في مقدار الرهان على الصديق الأميركي. المشكلة في طبيعة المعادلة نفسها.
فحين يُقال للبنان إن عليه أن يتفاوض، وفي الوقت نفسه يُقال له إن إسرائيل غير ملزمة بوقف اعتداءاتها، يصبح واضحاً أن الخلاف لم يعد حول كيفية التفاوض، بل حول من يملك حق وضع الشروط النهائية.
والاختبار الحقيقي أمام السلطة اللبنانية اليوم هو أن تثبت أن التفاوض وسيلة لحماية السيادة اللبنانية، لا قناة لفرض شروط إسرائيلية تحت الرعاية الأميركية.
