حين ترتدي العظمةُ جلبابَ الكذب

المغربية المستقلة :  يوسف دانون/ بروكسيل

هناك أناس لا يعيشون في الواقع، بل في المرآة. كل صباح يقفون أمام صورتهم، لا ليتأملوا حقيقتهم، وإنما ليطمئنوا إلى الوهم الذي صنعوه حول أنفسهم: أنا الأذكى، أنا الأرفع، أنا الأجدر، وأنا الذي لا يُخطئ. فإذا صادفوا من لا يصفق لهم، اعتبروه حاقدًا، وإذا وجدوا من ينتقدهم، اتهموه بالجهل، وإذا ظهر من يتفوق عليهم، بحثوا له عن تهمة تُسقطه من أعين الآخرين.
إنها عظمةٌ من ورق، ونرجسيةٌ ترتجف أمام أول سؤال جاد.
المضحك المبكي أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتزوير صورتهم أمام الناس، بل يحاولون تزوير الحقيقة نفسها. يكذبون حتى يصبح الكذب عندهم عادة، ثم يكررونه حتى يصدقوه، ثم يغضبون لأن الآخرين لم يصدقوه معهم. وهكذا يتحول الوهم، في عقولهم، إلى “حقيقة”، ويتحول النقد إلى مؤامرة، والفضيحة إلى افتراء، والفشل إلى ظلم من الآخرين.
والأشد سخرية أنهم كثيرًا ما ينسبون إلى الناس ما يسكن فيهم. صاحب الخلق الرديء يتحدث عن فساد أخلاق الآخرين، والكاذب يوزع شهادات الصدق، والمتكبر يشتكي من غرور الناس، والخائن يكثر الحديث عن الوفاء، ومن لا يعرف للكرامة طريقًا يصبح فجأة واعظًا في الشرف.
إنهم ينعقون الناس بما فيهم، كما لو أن المرء يستطيع أن يغسل قذارته برشّها على الآخرين.
ولأن الحقيقة ثقيلة على أصحاب الأوهام، فإنهم يحتاجون دائمًا إلى جمهور. يحتاجون إلى من يصفق، ومن يوافق، ومن يكرر روايتهم، ومن يتظاهر بأن الإمبراطور يرتدي ثيابًا فاخرة، بينما الإمبراطور في الحقيقة عريان إلا من غروره.
لكن المشكلة ليست في أن الإنسان يخطئ؛ فالخطأ طبيعة بشرية. المشكلة أن النرجسي لا يرى في نفسه موضعًا للمراجعة أصلًا. يملك ألف تفسير لفشله، وألف متهم لإخفاقه، وألف حكاية تبرر سلوكه، لكنه لا يملك لحظة واحدة من الشجاعة يقول فيها: ربما كنت أنا المخطئ.
وهنا يبدأ السقوط الحقيقي.
فالعظمة الزائفة لا ترفع صاحبها؛ إنها تعزله. تجعله محاطًا بالناس ووحيدًا بينهم، كثير المعارف قليل الأصدقاء، كثير الكلام قليل الأثر. وكلما ارتفع صوته في مدح نفسه، انخفضت قيمته في أعين من يعرفونه حق المعرفة.
أما الإنسان الواثق فعلًا، فلا يحتاج إلى إعلان عظمته كل خمس دقائق. لا يطلب من الناس أن يعترفوا بعبقريته، ولا يطارد كل ناقد، ولا يمضي عمره في صناعة صورة مثالية لنفسه. قيمته تتحدث عنه، وأخلاقه تشهد له، وأفعاله لا تحتاج إلى مكبر صوت.
لذلك، لا تجادل صاحب الوهم طويلًا. اتركه يتحدث، واترك الأكاذيب تتعب من تكرار نفسها. فالزيف مهما طال عمره يظل زيفًا، والمرآة مهما زُيّنت لا تستطيع أن تغيّر وجه صاحبها.
وفي النهاية، لا أحد يستطيع أن يخدع الجميع إلى الأبد.
فقد ينجح الكاذب في صناعة رواية، وقد ينجح النرجسي في صناعة جمهور، وقد ينجح المتعالي في صناعة هالة حول نفسه؛ لكنه يعجز عن صناعة حقيقة لا وجود لها.
والحقيقة، يا سادة، لا تحتاج إلى نعاقٍ يحرسها.
أما الكذب، فيحتاج دائمًا إلى ضجيج.

Loading...