الصحة في الميدان… حين تُختبر المسؤولية على تضاريس طاطا الوعرة

المغربية المستقلة :  مولاي عبد الله الجعفري

في الأقاليم ذات الامتداد الجغرافي الصعب، لا تُقاس نجاعة المسؤول العمومي بعدد الاجتماعات التي يعقدها، بل بمدى حضوره الفعلي في الميدان، حيث تتقاطع انتظارات المواطن مع محدودية الإمكانات. وفي هذا السياق، يبرز اسم الحبيب أزناك، المندوب الإقليمي للصحة بـإقليم طاطا، كأحد الوجوه التي اختارت أن تجعل من القرب الإداري خيارًا عمليًا لا مجرد خطاب مؤسساتي.
المشهد الصحي بطاطا، كغيره من الأقاليم ذات الطابع الجبلي وشبه الصحراوي، يواجه تحديات مركبة: تباعد الدواوير، صعوبة المسالك، ضغط الحاجيات، وإكراهات الموارد البشرية والتجهيزات. غير أن ما يمنح العمل الإداري معناه في مثل هذه السياقات، هو القدرة على النزول إلى التفاصيل اليومية للساكنة، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الرعاة الرحّل وسكان المناطق المعزولة.

زيارات ميدانية متكررة إلى أعالي المرتفعات لم تكن مجرد خرجات ظرفية، بل شكلت، بحسب متابعين للشأن الصحي المحلي، جزءًا من فلسفة تدبير تقوم على المعاينة المباشرة وتتبع الإشكالات من مصدرها. فبين وعورة التضاريس وقساوة المناخ، تتجلى قيمة القرار حين يلامس الواقع، لا حين يبقى حبيس التقارير.

ويُسجَّل للمندوب الإقليمي حرصه على التواصل مع الفاعلين المحليين والمهنيين الصحيين، في مقاربة تتوخى العمل ضمن الممكن، بعيدًا عن خطاب التبرير أو تضخيم الإنجاز. إنها إدارة تراهن على التدرج، وتُدرك أن إصلاح القطاع الصحي في مناطق كهذه مسارٌ طويل يتطلب نفسًا مؤسساتيًا واستمرارية في الجهد.

بطبيعة الحال، يظل القطاع الصحي مجالًا حساسًا تتقاطع فيه الانتقادات والانتظارات، وهو أمر صحي في حد ذاته داخل مجتمع يسعى إلى تجويد خدماته العمومية. غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن بعض التجارب الإدارية تحاول، في صمت، ترميم فجوة الثقة بين المواطن والمرفق العام، عبر الحضور الفعلي والإنصات الميداني.

في نهاية المطاف، ليست المسؤولية العمومية لقبًا إداريًا بقدر ما هي التزام يومي يُختبر خارج المكاتب. وبين جبال طاطا ومسالكها الوعرة، تتجسد هذه الفكرة في صورة مسؤول يختار أن يقترب من المواطن حيث يوجد، مؤمنًا بأن الصحة حق، وأن تقريبها من الناس هو جوهر الخدمة العمومية.

Loading...