كتاب الرأي : حينما تُطفئ الشاشات نور الفكر

المغربية المستقلة  : بقلم فؤاد المنصوري

في زمنٍ لم يعد فيه للكتاب مكان على الطاولة، ولا للقراءة نصيب في يوميات الناس، أصبح من الطبيعي أن نرى تراجعاً مقلقاً في القدرة على التعبير، وفي عمق التفكير، وفي جودة النقاش. لم تعد العقول تُروى من ينابيع المعرفة، بل تُغرق في سيلٍ من الفيديوهات القصيرة، والجمل المبتورة، والمحتوى السطحي الذي لا يُغني ولا يُثمر.

لقد كانت المطالعة، ولا تزال، من أهم الوسائل التي تُصقل الفكر، وتُغني اللغة، وتُهذب الذوق. القارئ لا يكتفي بتلقي المعلومة، بل يتفاعل معها، يُحللها، يُقارنها، ويُعيد إنتاجها بأسلوبه. أما اليوم، فقد أصبح الإنسان أسير “التمرير السريع”، يستهلك المحتوى كما يستهلك الوجبات السريعة: بسرعة، بلا مضغ، وبلا هضم.

وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما توفره من تواصل وسرعة في الوصول إلى المعلومة، خلقت جيلاً يفضل الصورة على الكلمة، والاختصار على التفصيل، والردود السريعة على النقاش العميق. ونتيجة لذلك، أصبحنا نرى شباباً لا يعرف كيف يُكوّن جملة مفيدة، أو كيف يُدافع عن فكرة دون أن ينزلق إلى الشتائم أو التهكم.

الأخطر من ذلك، أن الفكر نفسه بدأ يضيق. من لا يقرأ، لا يعرف كيف يُفكر. ومن لا يُفكر، لا يعرف كيف يُناقش. ومن لا يُناقش، لا يستطيع أن يُغير أو يُقنع أو يُبدع. وهكذا، يتحول الإنسان إلى متلقٍ سلبي، يُعيد ما يسمع، ويُردد ما يُعرض عليه، دون أن يُمارس حقه في التساؤل أو النقد أو التأمل.

لكن الأمل لا يزال قائماً. فكما أن التكنولوجيا ساهمت في هذا التراجع، يمكنها أيضاً أن تكون جسراً للعودة. الكتب الصوتية، المقالات الرقمية، البودكاست، كلها أدوات جديدة يمكن أن تُعيدنا إلى لذة المعرفة، إذا ما أحسنا استخدامها.

في النهاية، لا بد أن نُدرك أن القراءة ليست ترفاً، بل ضرورة. وأن من لا يقرأ، لا يستطيع أن يُفكر بحرية. ومن لا يُفكر بحرية، سيعيش دائماً في ظلال أفكار الآخرين.

لنُطفئ الشاشات قليلاً، ولنُشعل نور الفكر من جديد.

Loading...