حين أضاءت الرباط ظلام الشاشة… وانكشفت تجارة الوهم تحت عدسة القانون

المغربية المستقلة  : بقلم: سيداتي بيدا

ما حدث في الرباط لم يكن مجرد انزلاق أخلاقي عابر؛ كان مشهداً درامياً كاملاً، مكتمل العناصر، لا ينقصه سوى موسيقى خلفية حزينة تُرافق سقوط خمسة شباب ثلاثة فتيان وفتاتان. اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في سجل “الجرائم الرقمية” بدل أن يبحثوا عن مكان في سجل الإنجازات. قرّروا، بكل خفة، تحويل أجسادهم إلى مشروع تجاري، وتصوير محتوى إباحي وترويجه مقابل المال، وكأنهم يعلنون افتتاح موسم جديد لبيع الكرامة بالجملة.

الغريب أن أفراد هذه المجموعة تصرفوا بثقة من يعتقد أن التكنولوجيا عمياء، وأن “واتساب” مظلة تحمي من أمطار القانون. ربما ظنّوا أن المجتمع منشغل بما يكفي، وأن الفوضى الرقمية يمكن أن تصبح مهنة محترمة إذا تم تغليفها ببعض “الاحتراف الزائف”. لكن الحقيقة جاءت أسرع، وأقسى، وأفصح مما تخيّلوا.

الفرقة الجهوية للشرطة القضائية تدخلت بدقة أكاديمية تُدرّس، لا بعفوية هاوٍ يطارد شائعة. تتبعت الخيوط، وحللت المواد، وأعادت تركيب المشهد كخبير أنثروبولوجيا يقرأ ما وراء السلوك قبل السلوك ذاته. لم تكن القضية مجرد فيديوهات، بل كانت خطاباً كاملاً في الانحلال المغلف بالربح السريع… وخطاباً لا يمكن أن يمرّ دون ردع.

التحقيقات كشفت ما يشبه “ورشة سرية” لإنتاج محتوى جنسي جماعي، يجري توزيعه بخفة مدهشة، وكأننا أمام حملة ترويجية لمعرض لا يخجل أصحابه، أو كأنهم يتعاملون مع الحياء بوصفه أثراً تاريخياً لا يصلح لهذا العصر. كانوا يبيعون الوهم، ويشترون الفضيحة، ويتخيلون أن المجتمع سيصفّق لهم إذا أحسنوا اختيار الزوايا والإضاءة!

لكن السؤال الأعمق، كما يطرحه علماء الاجتماع، ليس لماذا فعلوا… بل لماذا ظنّوا أن الفعل سيمرّ؟
أهو نقص الوعي؟
أم فائض الغرور؟
أم ذلك الإيمان الساذج بأن كل ما يحدث خلف شاشة، يبقى خلفها؟

إحالة المتهمين على العدالة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها. إنها رسالة محكمة، ببلاغة القانون، تقول إن المغرب لن يسمح بتحويل الفضاء الرقمي إلى سوق سوداء للقيم، ولا بجعل المجتمع متفرجاً على عروض هابطة تُباع تحت الطاولة.

المطلوب اليوم ليس فقط العقاب، بل إعادة هندسة الوعي:
وعي يرى أن الحرية مسؤولية، لا فرصة للانحدار؛
وأن التكنولوجيا أداة تقدم، لا منصة لعرض الرذيلة؛
وأن المجتمع مهما انفتح يرفض أن يتحوّل إلى متحف للفضائح الحديثة.

لقد انطفأت الكاميرا، لكن بقي الدرس.
وانتهى العرض، لكن بقي السؤال:
كم من الأقنعة ما زالت تنتظر السقوط… قبل أن نفهم أن القيم ليست خياراً قابلاً للتفاوض؟

Loading...