من يتخذون من البسطاء سلّمًا لتصفية حساباتهم… لا يدافعون عن الكرامة، بل يدهسونها

المغربية المستقلة  :

في مشهد إنساني بسيط، وأثناء زيارة عامل إقليم شفشاون لجماعة تاسيفت لإطلاق مشاريع تنموية، التقطت عدسة إحدى الكاميرات صورة لرجل من عامة الناس يقبّل يد المسؤول. الصورة، التي بدت عابرة في لحظتها، تحولت بسرعة إلى مادة للاستهلاك الرخيص، بعدما التقطها بعض المتربصين وحوّلوها إلى ذريعة لتأويلات مسمومة، وسرديات مشبعة بالأحقاد، تحت لافتة “الدفاع عن الكرامة”.

الحقيقة، التي حاول كثيرون القفز عليها، أن الرجل معروف في المنطقة بطيبة قلبه وبساطته، فضلاً عن وضعيته النفسية الهشة. حياته الهامشية جعلت من مصافحة عامل الإقليم حدثًا استثنائيًا بالنسبة له، فتصرف بدافع العفوية التامة، لا بروتوكول ولا إذلال ولا ثقافة خنوع. الدليل؟ المئات صافحوا المسؤول بشكل طبيعي، ولم يُقدم أحد على ما فعله هذا المواطن.

الأهم أن العامل، وبشهادة الحاضرين، رفض هذا السلوك في الحين، ووجّه للرجل كلمات حاسمة تؤكد أن العلاقة بين الإدارة والمواطن قائمة على الاحترام المتبادل، لا على المبالغة ولا على طقوس الطاعة.

الغريب ليس ما وقع، بل من استغل اللحظة لتصفية حسابات صغيرة. لم يروا البساطة، بل رسموا خضوعًا وهميًا. لم يلمسوا البراءة، بل اختزلوا المشهد في إهانة جماعية. تجاهلوا السياق وهشاشة صاحب الفعل، ليحوّلوا لقطة عابرة إلى وقود لمعاركهم الوهمية.

في ثقافة بعض مناطق الشمال، لا يزال تقبيل اليد تقليدًا اجتماعيًا قديمًا يعبر عن التوقير، لا عن الخضوع. فكيف حين يتعلق الأمر بشخص في وضع هش، يفتقد حتى لوعي الصورة ومعناها؟

ما حدث في تاسيفت لا يسيء لا للمواطن ولا للعامل. ما يسيء فعلًا هو استغلال ضعف إنسان بسيط لتحقيق أهداف دنيئة، وتحويل الكرامة إلى شعار للاستهلاك الإعلامي.

الكرامة الحقيقية لا تُصان بالسخرية من الأضعف، ولا تُبنى على هدم صورة إنسان عاجز عن الدفاع عن نفسه. الكرامة لا تُنتزع من لقطة مقتطعة، بل من المواقف النبيلة، ومن سلوك لا يستقوي على الهشاشة.

وإن كان لا بد من إدانة، فهي لأولئك الذين استباحوا إنسانية رجل بسيط تحت يافطة “النضال”. أما الصورة، فستظل مجرد لحظة عابرة… لكنها كشفت من يحترم الكرامة فعلًا، ومن يتاجر بها بلا خجل.

Loading...