المغربية المستقلة:
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة الثالثة والعشرون
*شباب رسولنا الحبيب 6*
شباب امتاز بالأخلاق الحميدة؛ ومن ذلك:
*علو همته صلى الله عليه وسلم*
فهو عليه الصلاة والسلام لم يرض أن يكون عالة على عمه الفقير أبي طالب، يطعمه ويسقيه من ماله..
فراح يدأب في الرعي، فيقول صلى الله عليه وسلم: ( كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)..
رواه البخاري
ـ ثم إنه نوى السفر لكسب لقمة العيش، وللعمل على بناء حياته المستقبلية، فامتهن التجارة كسبًا..
إلا أنه لم يكن له مال يتاجر فيه، فراح يتاجر بمال السيدة خديجة رضي الله عنها ـ وكانت ذات مال ـ في الشام على أجر تعطيه..
فتاجر وربح، وكان محط أنظار صاحبة المال خديجة الكبرى رضوان الله عليها.
___________________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة الرابعة والعشرون:
*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 7*
شباب لا يعرف الانعزال عن القضايا المهمة للأمة:
فهو شارك مع بني قومه في أمور جليلة كان لها الأثر في نهضة قريش وبناء تاريخها، من ذلك:
*حرب الفِجَار:*
حرب الفجّار هذه هي الأخيرة، وكان قبلها حربان أخريان كلّ منهما سمّي بحرب ( الفجار ):
الأولى: كانت بين كنانة وهوازن.
والثّانية: بين قريش وهوازن.
وهذه هي الثّالثة، كانت بين كنانة وهوازن أيضًا. وهي المعروفة بفجّار البُراض، نسبةً إلى رجل من كنانة، قتل عُروة الرحّال من هوازن.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم هاجت الحرب *ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة.*
وكانت قريش حلفاء لكنانة، فكان لزاما عليهم أن يؤازروهم، وكانوا في الشّهر الحرام، فسمِّي ذلك اليوم بيوم الفجّار لأنّهم استحلّوا فيه المحارم.
👈🏼 وشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعض أيّامهم..
فقد طالت الحرب، وبلغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم *سنّ العشرين،* فأخرجه أعمامُه معهم، وقد رآه حكيم بن حزام حاضرًا يومها..
وكان صلّى الله عليه وسلّم ينبل على أعمامه، أي: يردّ عنهم نبل عدوّهم إذا رموهم بها.
قال ابن اسحاق وابن سعد:
هاجت حرب الفجار ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن عشرين سنة.
(السيرة لابن هشام221/1)
ثمّ وضعت الحرب أوزارها، وأدّت قريش دية قتلى الحرب.
___________________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة الخامسة والعشرون
*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 8*
شباب لا يعرف الانعزال عن القضايا المهمة للأمة:
*حِلفُ الفُضُولِ*
كان هذا الحلف في ذي القَعدة، قبل مبعث الحبيب بعشرين سنة منصرف قريش من الفجار ..
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرون سنة.
*وسَبَبُه:*
ُ أَنّ رَجُلًا مِن (زُبَيْد) من اليمن ـ قَدِمَ مَكّةَ بِبِضَاعَةِ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ ـ وَكَانَ ذَا قَدْرٍ بِمَكّةَ وَشَرَفٍ ـ فَحَبَسَ عَنْهُ حَقّهُ.
فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الزّبَيْدِيّ الْأَحْلَافَ : عَبْدَ الدّارِ وَمَخْزُومًا وَجُمَحَ وَسَهْمًا وَعَدِيّ بْنَ كَعْبٍ؛ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَزَبَرُوهُ أَيْ انْتَهَرُوهُ.
فَلَمّا رَأَى الزّبَيْدِيّ الشّرّ أَوْفَى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ـ جبل بمكة ـ عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ :
يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومِ بِضَاعَتُهُ
بِبَطْنِ مَكّةَ نَائِي الدّارِ وَالنّفَرِ
وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ
يَا لَلرّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ
إنّ الْحَرَامَ لِمَنْ تَمّتْ كَرَامَتُهُ
وَلَا حَرَامَ لِثَوْبِ الْفَاجِرِ الْغُدَرِ
فقام الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَقَالَ مَا لِهَذَا مُتَرّك؟
ٌ ـ فَاجْتَمَعَتْ هَاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ.
ـ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا.
ـ وَتَحَالَفُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ قِيَامًا.
فَتَعَاقَدُوا ، وَتَعَاهَدُوا بِاَللّهِ لَيَكُونَنّ يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظّالِمِ حَتّى يُؤَدّى إلَيْهِ حَقّهُ.
فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ وَقَالُوا : لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي فَضْلٍ مِنْ الْأَمْر.
ِثُمّ مَشَوْا إلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَانْتَزَعُوا مِنْهُ سِلْعَةَ الزّبَيْدِيّ فَدَفَعُوهَا إلَيْهِ.
أورده السهيلي في الروض الأنف 1/243
ولقد شارك الحبيب صلى الله عليه وسلم في هذا المؤتمر الفاضل واعتز به قائلًا :
((شهِدت حِلْف المطيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أُحبُّ أن لي حمر النعم وأني أَنكُثُه)).
رواه أحمد
وفي رواية: ((لقد شهِدت في دار عبدالله بن جُدعان حِلفًا لو دُعيتُ به في الإسلام لأجبتُ..)).
___________________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة السادسة والعشرون:
*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 9*
شَبَابٌ يَبْنِي مُسْتَقْبَلَهُ بِبَرَاعَةٍ وإِحْكَامٍ:
مَرَّتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً عَلى الْحَبِيبِ، وهُوَ يُعَارِكُ الْحَياةَ وَيَعْجِنُها بِجَميلِ أخْلَاقِه ، وُحُسْنِ تَدْبيرهِ ، وَكَمَالِ صَنيعهِ ، وَطِيبِ سُمْعَتِهِ ، ونَقَاءَ واتِّقادِ تَفْكِيرِهِ ، إلى أنْ حَانَتِ الْفُرْصَةُ المناسِبةُ لإحْداثِ نَقْلَةٍ نَوْعِيَّةٍ فِي بِنَاءِ مُسْتَقَبَلِ شَابٍّ طَمُوحٍ مُبَارَكٍ، وَذَلكَ عَنْ طَرِيقِ عَمَلٍ عُرِضَ علَيهِ خَارِجَ حُدُودِ الْجَزيرةِ الْعربيَّةِ ، إلى بِلادِ الشَّامِ، في تِجَارَةٍ لِسَيِّدَةٍ عُرِفَ عَنْها الطَّهَارَةُ والنَّجَابَةُ والْحِكْمَةُ والنَّسَبُ والمالُ، خَدِيجَةُ رضي الله عنها . فوافق وكَانَ الْحدَثَانِ الْفَاضِلَانِ:
*1- تجارة الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى الشام:*
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ – رضي الله عنها – امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتُ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرّجَالَ فِي مَالِهَا ، وَتُضَارِبُهُمْ إيّاهُ بِشَيْءِ تَجْعَلُهُ لَهُمْ ، – وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجّارًا – ، فَلَمّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ مَا بَلَغَهَا، مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ؛ بَعَثَتْ إلَيْهِ؛ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التّجّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرَةُ. فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللّهِ مِنْهَا ، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتّى قَدِمَ الشّامَ .
فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلّ شَجَرَةٍ، قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنَ الرّهْبَانِ، فَاطّلَعَ الرّاهِبُ إلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الرّجُلُ الّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ ؟
قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرّاهِبُ:
*مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ قَطّ إلّا نَبِيّ.*
ثُمَّ حَضَرَ رَسولُ اللهِ سُوقَ بُصْرَى فَبَاعَ سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى، فَكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ اخْتِلَاٌف فِي سِلْعَةٍ – قِيلَ هُوَ الرَّاهِبُ، فَعَلَ ذَلكَ لِيَخْتَبِرَهُ -، فقالَ لَهُ الرَّجُلُ : احْلِفْ باللَّاِت والْعُزَّى. فقالَ رَسولُ اللهِ *: مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ،*
فَقَالَ الرَّجُلُ : الْقَوْلُ قَوْلُكَ، ثُمَّ قالَ لِمَيْسَرَةَ – وَخَلا بِهِ – : يَا مَيْسَرَةُ هَذَا نَبِيٌّ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَهُوَ هُوَ، وَيَجِدُهُ أحْبَارُنَا مَنْعُوتًا فِي كُتُبِهِمْ.
ثُمّ أَقْبَلَ رسولُ اللهِ قَافِلًا إلَى مَكّةَ ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ، فَكَانَ مَيْسَرَةُ إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدّ الْحَرّ ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلّانِهِ مِنَ الشّمْسِ وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا ، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا .
( السيرة لابن إسحاق والروض الأنف والدلائل للأصبهاني)
