الاصلاح الاداري فهم حديث يتنافى وسيادة فكر الفساد ويتماهى وتخليق الحياة العامة والوازع الخلقي المؤسساتي المغربية

المغرية المستقلة : بقلم : الدكتور عبد الله شنفار

متابعة: إبراهيم مهدوب

هل هناك إرادة حقيقية تنزع فعلا نحو الاصلاح الاداري بالمغرب؟
هناك ترابط فعلي؛ بحيث كلما أثير مشكل العقلية إلا وبرز معه مطلب او متطلبات الإصلاح والتغيير، تغيير العقليات لتساير متطلبات التنمية. فما معنى عقلية؟ ولماذا عقلية وليس عقليات؟ وعقلية من، التي يجب اصلاحها أو تغييرها؟ الإصلاح والتغيير مصطلحان أدبيان يفتحان المجال للتداخل والتباين. لكن هل الإصلاح يعني التغيير؟ هل هناك فرق بينهما؟ في ترجمتهما من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية نقول أن الإصلاح بالفرنسية يعني La réforme أي التعديل، والتغيير هو Le changement أي التبديل. والإصلاح لغة: مصدر لفعل أصلح، يصلح إصلاحا ضد أفسده أي أزال عنه الفساد. والإصلاح والمصلحة هو كل ما يبعث على الصلاح أي ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال الباعثة على نفعه ونفع قومه وجمعه مصالح. أما التغيير فلغة هو: مصدر لفعل غير يغير تغييرا، وغير الشيء يعني حوله وبدله بغيره، أي جعله غير ما كان، وغاير أي خالفه وعارضه. والتغيير يعني التحول والتبدل والانتقال من الصلاح إلى الفساد أو العكس صحيح، أي من الفساد إلى الصلاح وهنا يلتقي مصطلح الإصلاح والتغيير، بحيث، وحسب معجم اللغة العربية؛ نميز بين مستويين:
المستوى الأول أي الانتقال والتحول من الفساد إلى الصلاح، وهنا يمكن أن نقول انه ليس هناك فرق، بحيث ان الإصلاح له اتجاه واحد أي التحول نحو الصلاح.
على المستوى الثاني أي التحول من الصلاح إلى الفساد كأن يتخذ التغيير صورة المغامرة أو المبادرة وعن حسن نية، فإما أن تنجح المحاولة بحيث اتخذت لها جميع الاحتياطات الضرورية منذ البداية وتمت رؤية طرح واضحة على جميع المستويات وبشكل شمولي، أو توفرت ظروف النجاح، كالوضع السياسي والاجتماعي والظرفية الاقتصادية الملائمة أو إرادة من طرف الجميع أو المسؤولين أو العكس، كأن يتم خلق هالة من التصورات عن التغيير في غياب رؤية واضحة تغذيها ظروف غير ملائمة تؤدي إلى زيادة الطين بلة؛ حيث ينزع الاصلاح نحو الفساد. نستحضر في هذا الاتجاه تعبير الاستاذ رضوان بوجمعة في مؤلفه الموظف المغربي: “لكي يصفق لك في المجلس وبحرارة، يكفي أن تثير مشروع التغيير أو الإصلاح؛ حيث لا أحد يدرك ما معنى ذلك.”
« Lorsque un président du conseil veut se faire applaudir sur tous les bancs il lui suffit d’annoncer la réforme administrative, car personne ne sait ce que cela veut dire » Redouan. Boujamaâ.
التغيير إذن ذو رأسين إما أن يتجه نحو الإصلاح أو أن يتجه نحو الفساد لكن ألا يمكن اعتبار الإصلاح أيضا ذو رأسين هو الآخر؟، بحيث أن ما اعتبر اصلاحا في البداية أو السنوات الأولى للإصلاح، لا يغدو أن يكون مجرد فساد وتهريج في آخر المطاف ؟ وهذا هو ما يحدث فعلا في العديد من المرافق بمناسبة مجيء هذه العقلية الإدارية الجديدة أو تلك، حيث توقيف هذا وعزل ذاك واتباع هذا الخيار أو السياسة بدل تلك – ولو كانت صالحة – دون الاستفادة من أبسط البقايا لسابقيه، وكل البقايا ليست دائما بالفاسدة. ويمكن إرجاع هذا الوضع إلى رواسب تاريخية ؛ فجميع العقليات الإدارية المتعاقبة على الإدارة المغربية تدمر كل ما يوحي، وكل مخيال لسابقتها، سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي… أي محو كل معالم الماضي. فهل بالضرورة أن السلطة الحالة محل الأخرى أن تدمر وتخرب كل ما له صلة بماضي تلك كما ذهب إلى ذلك مكيافلي في كتابه “الأمير”؟
سواء تعلق الأمر بالتغيير أو الإصلاح، فإنه قبل تبني أي منهما، يجب أن نعرف ماهي طبيعة هذا التغيير او الإصلاح ؟ ماهي مجالاته ؟ واقعيته ؟ وحدوده ؟ ماذا لدينا ؟ ماذا نريد أن نفعل ؟ ماذا نقدر على فعله ؟ كيف ومتى نفعل، حتى يستطيع التغيير أو الإصلاح أن يأخذ مساره الصحيح ؟.
ما هي المعالم والتوجهات الكبرى لسياسة الاصلاح والتغيير الإداري بالمغرب ؟.كيف يمكن تحديث الإدارة واستغلال الأنشطة المعطلة حتى تعطي مردودية أكثر وجعلها أكثر عقلانية ودينامية وترشيدا؟ كيف نقضي على التعطيل الحاصل والتضخم الإداري الذي يعرقل دور الإدارة الاقتصادي والاجتماعي دون التأثير على الجانب الاجتماعي أو زيادة أعباء جديدة؟ يتقاضى حوالي 722.000 موظفا ومستخدما بما في ذلك الأشخاص العسكريين (11,5%) مقارنة مع بعض البلدان (مصر مثلا 6%، تركيا 6,4%، ماليزيا 7%)، من الإنتاج الوطني الإجمالي. أما الجماعات المحلية فتضم ما يزيد عن 120.000 موظف ومستخدم. فالأجور تشكل 70% من ميزانية التسيير، أي ما يعادل أزيد من 771.230 موظفا، يشكل العنصر النسوي فيه ازيد من 120.720، أي بنسبة 15,65% في المجموع أي ما يعادل 10,09 من الساكنة النشيطة. التعليم لوحده فقط يشكل 6% من الناتج الإجمالي الوطني، مقارنة بدول أخرى حيث لا يزيد عن 3,6% فقط. انظر تقرير البنك الدولي حول الإدارة العمومية. كيف نوصل الخطاب الإصلاحي لجميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمواطن كذلك، بأن الدولة ليست وحدها التي يقع على عاتقها تنمية الفرد والجماعة؛ بل أيضا المجتمع المدني بكل ما في الكلمة من معنى؟
إن التغيير الإداري الشامل يجعل ضرورة الابقاء وحتمية الإدارة / الدولة كضرورة استراتيجية للتنمية، وتأمين الحياة للأفراد والجماعات ومختلف القوى العاملة داخل المجمع. بحيث على الرغم من أزمة الفعل الإداري بالمغرب الذي يبقى أزمة عقليات بالأساس، إلا أن هناك إمكانية لتجاوزه وتحقيق تنمية إدارية تستطيع أن تخرجنا من حالة الاحتضار هذه. لكن أي تغيير لأية عقلية إدارية؟ أين سيبدأ وأين سينتهي هذا الإصلاح أو التغيير السياسي؟
لو افترضنا نظريا أن هناك إرادة قوية أو اتجاه قوي ينزع إلى التغيير. فهناك العديد من المجالات التي تتطلب التغيير، تضرب وبنفس الحدة. فهل سنعمل على تغيير سياسي من خلال تغيير آليات العمل بين القوى، مرورا بالمؤسساتي وانتهاء بإقرار التناوب؟ أم نعمد إلى إصلاح وتغيير تقني من خلال الهياكل الإدارية أو ما يصطلح عليه “بضربات منقار الديك”، أي التأثير على هذا القطاع لتصل العدوى للقطاع الآخر وهكذا دواليك حتى يصبح التغيير شاملا؟ لنستنتج في الأخير أنهما مطلبان متلازمان وفي علاقة جدلية لا يمكن تصور إحداهما دون الآخر. لكن ما هي مجالات الاصلاح والتغيير؟
التغيير حتى يكون أكثر فاعلية يجب أن يطال الإطار المؤسساتي والإطار القانوني، لكن السؤال المطروح يكمن في مجالات التغيير التي نريد؛ هل تتجلى في: تنظيم وهيكلة المؤسسات القائمة؟ خلق مؤسسات جديدة؟ أم بتفعيل دور هذه المؤسسات القائمة والأنظمة القانونية السائدة وتنمية علاقتها بالبيئة، حيث مجال تفاعل النظام القانوني والمؤسساتي؟ يكفي قراءة سريعة في حصيلة التغييرات التي تمت في عقد التسعينيات لنستنتج أين يكمن الخلل الحقيقي، ومجالات التغيير الفعلية.
إيـمانا منه بالقيم الحضارية، وفي إطار المواثيق والالتزامات الدولية، واعتبارا لكون حقوق وحريات الأفراد تشكل غاية في حد ذاتها، وعاملا مهما للتنمية السوسيو اقتصادية، عمل المغرب منذ عقد التسعينيات على اتخاذ العديد من الإجراءات والإصلاحات المؤسساتية، لتدعيم وبلورة احترام حقوق الإنسان وتطوير الفرد والمجتمع، من خلال إحداث مؤسسات وإعادة النظر في اتفاقيات دولية حول التعذيب وعقوبات جنائية أخرى، والاقصاء خاصة بالنسبة للمرأة، وحقوق الطفل، وإلغاء الظهير المؤرخ في 29 يونيو 1935 حول ردع التظاهرات التي تتعارض والنظام العام واحترام السلطات، وقد تمثلت هذه الإصلاحات في إحداث العديد من المؤسسات

Loading...