من أنسنة يناير إلى الأسطرة في “رواية انتقام يناير”

المغربية المستقلة  :  بقلم احلام الدروي

طالعت روايات كثيرة لكن رواية «انتقام يناير» للكبير الداديسي ليست مجرد رواية تسرد حكاية عن امرأة ، ولا مجرد استعادة لمرحلة اجتماعية وسياسية عاشها العالم العربي قبل وخلال سنوات الربيع العربي؛ إنها رواية تحاول أن تجعل من التجربة الفردية مرآة لتحولات أكبر من الإنسان نفسه.  ومن الأسطورة واقعا معاشا، بل إنها تؤسطر المعنوي (شهر يناير) ليظهر ماديا فاعلا ومحركا للأحداث. ومن هنا تأتي أهمية الرواية: فهي تنطلق من الخاص لتصل إلى العام، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية.

يستند العنوان إلى الأسطورة الأمازيغية المرتبطة بقسوة شهر يناير، حيث ينتقم الشهر من عجوز تحدّته واستهانت بقوته. لكن الروائي الداديسي لا يستعمل هذه الأسطورة باعتبارها حكاية شعبية فقط، بل يجعلها مفتاحاً رمزياً لفهم الرواية. يناير يصبح صورة للقوة التي لا يمكن الاستهانة بها، وللحظة التي يعود فيها الماضي أو الواقع لينتقم ممن ظن أنه انتصر عليه.

وهنا تكون عتبة العنوان قد فتحت مسارا تتعدد قراءاته ونوافذه أمام القارئ؛ لأنه لا يكشف المعنى كاملاً، بل يشرع الأبواب الأسئلة أمام المتلقي منذ البداية: «انتقام يناير؟ لماذا يناير؟ ولماذا الانتقام؟ وممن ينتقم؟ من الذي ينتقم ممن؟ وما طرق وأساليب الانتقام؟ لتظهر الشخصية الرئيسية فاطمة: المرأة التي تقاوم أكثر مما تستسلم وما علاقتها بيناير وبالانتقام؟؟

فاطمة ليست بطلة تقليدية تبحث عن الحب أو المجد، وإنما شخصية تتشكل من خلال الصراع. تبدأ من واقع متدين وفقير في المغرب العميق، تجدّ وتجتهد وتكافح للحصول على الشهادة الكبيرة (الدكتوراه)، ثم تجد نفسها في مواجهة البطالة وواقع اجتماعي وسياسي لا يرحم. وهذا المسار يجعلها نموذجاً للإنسان الذي يعتقد أن العلم والعمل قادران على تغيير حياته، ثم يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. لتغوص الرواية بالقارئ في صراعات النفس الإنسانية، متظاهرة بقوة الشخصية، وصرة المرأة المثقفة النموذجية، وهو مجرد مظهر لا يعكس حجم وعمق الضعف الداخلي وتأثير ترسبات التناقضات الانكسارات.   ثقافتها وتكوينها جعلها أمام العيون صلبة قوية وهي في العمق امرأة بسيطة تخاف، وتتألم، وتتردد، لكنها تستمر في مقاومة الحياة.

وهذا ما يجعلها قريبة من القارئ يشعر بها مثل جميع النساء اللواتي يعشن في الحياة من حولنا؛ بعيدا عن أبطال الروايات الخارقة، لتظهر شخصية نامية تتطور مع الأحداث، إنسانة بسيطة تحاول فقط أن تجد لنفسها مكاناً وسط عالم قاسٍ. دون أن يشعر القارئ أي انفصال لفاطمة عن محيطها. فالأحداث السياسية والاجتماعية لا تأتي كخلفية بعيدة، بل تتقاطع مع مصير الشخصية.

وعلى الرغم من أن زمن الرواية يمتد على ما زيد على أربعين سنة فإن مرحلة الربيع العربي، كما تظهر من المشروع الذي قدمه الكاتب للرواية، تتجاوز مرحلة زمنية ومجرد حدث سياسي، لتغوص الرواية في خلفيات اللحظة وما يرتبط بها من أسئلة البطالة، والكرامة، والمستقبل، وموقع المثقف داخل المجتمع. ومسؤولية السياسي… ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الرواية باعتبارها رواية الإنسان العربي المأزوم: إنسان مثقف درس، وحلم، وانتظر، لكنه وجد نفسه أمام واقع لا يمنحه ما يستحق.

تستفيد الرواية من الذاكرة الشعبية والثقافة المحلية، خصوصاً من الأسطورة الأمازيغية المرتبطة بيناير. وهذا الاختيار مهم جمالياً؛ لأن الكاتب لا يبدأ من فراغ، وإنما يستحضر موروثاً شعبياً ليحاور به الحاضر. في مسعى يتجاوز الأنسة إلى الأسطرة، فالأسطورة هنا في الرواية ليست زينة ثقافية، وإنما تتحول إلى رمز للصراع بين الإنسان والقدر، وبين التحدي والعقاب، وبين الماضي والحاضر. في محاولة لأسطرة يناير وجعله شخصية تؤثر في الأحداث وتوجهها هكذا كان يناير مرحلة حاسمة في حياة الكثير من الشخصيات العامة والسياسية مثل معمر القدافي وزين العابدين بنعلي وحسني مبارك وصدام حسين… كما يحضر في أهم محطات حياة الشخصية الرئيسية وفي تفاصيل الحياة اليومية، مثل علاقة الإنسان بوسائل العيش البسيطة، مما منح السرد بعداً اجتماعياً وإنسانياً. ويظهر ذلك مثلاً في المقاطع التي تسرد حول الحمار ودوره الهام في الأسرة، حيث يتحول الحيوان من وسيلة نقل إلى جزء من الأسرة وم ذاكرة الطفولة ومعلم للحياة والتوازن.

وتنماز لغة رواية انتقام يناير مثل باقي روايات الكبير الداديسي التي طالعتها (عاش الموت) و(قهوة بالحليب على شاطئ السود المتوسط) و(رقصة الفلامنكو) بالجمع بين التسلسل السردي والتأمل العميق في القضايا . فهو لا يكتفي بإخبار القارئ بما حدث، وإنما يدفعه أحياناً إلى التفكير في معنى ما حدث. وذلك يمنح النص عمقاً فكرياً، فتبدو بعض المقاطع أكثر كثافة وأكثر بطءً مما قد تتطلب قارئا محترفا لاستجلاء كل معاني الرواية. لكن ذلك  البطء قد يجد تفسيره في سعي  الرواية إلى الاهتمام بالذاكرة والتحليل النفسي والاجتماعي ورصد تفاصيل الحياة وذلك تحتاج دون شك إلى التمهل.

في الختام يمكن القول إن رواية انتقام يناير من أهم الروايات المغربية والعربية التي رصد تحولات المغرب خلال نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة تتلخص أهم نقط قوتها في  قدرتها على الجمع بين مستويات متعددة: الأسطورة، والواقع الاجتماعي، والتجربة الفردية، والتحول السياسي. والانتقال من المحلي لتمتد أحداثها في فضاء عربي أوسع، من المغرب إلى الخليج ومصر وسوريا ثم العودة إلى المغرب، وهو ما يجعل تجربة فاطمة تتجاوز حدودها الشخصية لتصبح جزءاً من صورة عربية. وحتى  لا يبدو الإعجاب بالرواية مجاملة نقدية. فقد يؤخذ على الرواية كثافة الأفكار والإحالات الاجتماعية والسياسية مما يجعل القارئ البسيط يشعر أحياناً بثقل النص وبأن الكاتب يريد أن يقول أشياء كثيرة داخل الرواية نفسها. كما أن بعض المقاطع التأملية يمكن أن تبدو أطول مما يحتاجه السياق الروائي. كل ذلك لا يلغي القيمة الفنية للعمل، بل يجعل من رواية انتقام يناير أكثر من مجرد رواية. وإنما رسم رسم للأفق من خلال انتظار فاطمة للحياة التي تستحقها، وانتظار الإنسان العربي للتغيير، وانتظار المثقف لاعتراف المجتمع بدوره، وانتظار الأحلام عسى تتحول إلى واقع. ولأن الانسان العربي عاجز عن تغيير هذا الواقع، فقد أسطرت الرواية يناير  ليصبح رمزاً يتجاوز الشهر والأسطورة؛ إلى قوة فاعلة تنتصر على الإنسان، وتغير مسار حياته، فخلص الشارع العربي من حكام طغاة. لكل ذلك فأن قيمة الرواية لا تكمن فقط في أحداثها، وإنما في الأسئلة التي تتركها وراءها: هل يستطيع الإنسان أن ينتصر على واقعه؟ وهل يكفي العلم والطموح للخروج من الفقر والتهميش؟ ومتى يتحول الأمل في التغيير إلى خيبة؟ رواية انتقام يناير للكبير الداديسي عمل فني تستحق القراءة فهي تقدم أجوبة جاهزة، وإنما تجعل القارئ يخرج منها وهو يحمل أسئلة أكثر مما كان يحمل قبلها.

Loading...