السياسة الخارجية المغربية وإدارة الملفات الاستراتيجية: قراءة في الهندسة الدبلوماسية الملكية وتوازنات المصالح العليا
المغربية المستقلة : بقلم صلاح الدين الدكالي / طالب باحث في علم السياسة والعلاقات الدولية
تستدعي التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية الوقوف عند النموذج الفريد الذي تقدمه المملكة المغربية في إدارة ملفاتها السيادية والاستراتيجية؛ وهو النموذج الذي يرتكز على رؤية متبصرة يرعاها جلالة الملك محمد السادس، تجمع بحكمة بين الواقعية السياسية وحماية المصالح العليا للوطن، وبين الوفاء الثابت للمبادئ التاريخية والقيم الأخلاقية الراسخة.
في هذا السياق، تأتي الدراسة الأكاديمية التي أعدها الباحث في العلوم السياسية والقانون العام صلاح الدين الدكالي، والتي استغرق الاشتغال عليها سنة كاملة من البحث والتوثيق، لتفكك أبعاد العلاقات المغربية الإسرائيلية باعتبارها خياراً استراتيجياً تندرج محاديثه في صلب التوازنات الكبرى للمملكة، بعيداً عن التبسيط أو القراءات السطحية.
وتبرز الدراسة أن القرار السيادي المغربي يستند إلى تراكم تاريخي أصيل؛ حيث كان للمملكة المغربية، بحكم موقعها الرمزي والروحي، دور محوري في دعم مسارات السلام بالشرق الأوسط. وقد تجلى ذلك بوضوح في المبادرات الاستباقية للراحل جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، والذي أدرك مبكراً أهمية خيار التفاوض واستثمار الرافد العبري كعنصر قوة ناعمة ينفرد بها المغرب تاريخياً ودستورياً، بدءاً من احتضان محادثات إفران سنة 1986، مروراً باستقبال القيادات الدولية وممثلي أطراف النزاع بالرباط، وصولاً إلى فتح القنوات الرسمية في تسعينيات القرن الماضي.
وتكشف الورقة البحثية كيف واصلت الدبلوماسية الملكية تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس هذا الخيار الرصين من خلال اتفاق سنة 2020، عبر هندسة قانونية ودبلوماسية متوازنة؛ نجحت من جهة في تثبيت المكتسبات الاستراتيجية وتكريس خيارات المصلحة الوطنية العليا، وحافظت من جهة أخرى وبشكل مطلق على الالتزام التاريخي والشرعي تجاه القضية الفلسطينية، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ورعاية بيت مال القدس الشريف.
إن هذه المساهمة الأكاديمية تؤكد أن الترافع عن قضايا الوطن وصياغة الخطاب الدبلوماسي الموازي يتطلبان استيعاباً عميقاً لفلسفة الدولة المغربية وقوانينها، وفهماً دقيقاً للقرار السيادي الذي يوازن بين واقعية الدولة وعمقها التاريخي والديني.
