فاطمة الزهراء الميلودي: لا أكتب لأنني أتألم بل أكتب لأنني أشعر

المغربية المستقلة  : حاورتها  منال بوشتاتي

خلف جدران الأحلام ترتسم الحكاية، وفاطمة الزهراء الميلودي إحدى بطلاتها .

كتبت خواطرها بمشاعر فياضة، وجعلت من الكتابة مساحة تعبر فيها عن ذاتها، لا لتقول إنها تتألم، بل لتقول إنها تشعر .

في هذا الحوار، نقترب من تجربتها في عالم الخواطر والشعر، ونتوقف عند كتابها (آهات صامتة) لنتعرف على مشاعرها وآهاتها السجينة. كما نتحدث عن سرقة الأفكار، وصعوبة إثبات الموهبة، ونظرة الرجل إلى المرأة.
1 لكل أديب بداية وأحلام، متى بدأت رحلتك مع الكتابة؟
كنت كلما شعرت بأن أنفاسي أصبحت ثقيلة، أجد نفسي أكتب. بدأت رحلتي مع الكتابة قبل ثلاث سنوات أو أكثر، حين كنت أكتب في نهاية الدفتر، وفي الأوراق المتناثرة، وفي مذكراتي الخاصة. في البداية كانت الكتابة بالنسبة إليّ مجرد يوميات أسجل فيها ما يحدث معي وما أشعر به، ثم بدأت تتطور شيئًا فشيئًا، فأصبحت أكتب عن مشاعر وأفكار وتجارب تتجاوز تفاصيل يومياتي. ومع الوقت اكتشفت أنني لا أكتب فقط لأحتفظ بما أشعر به، بل أكتب لأنني أجد في الكتابة مساحة أستطيع فيها أن أقول أشياء كثيرة لا أستطيع قولها بالكلام. ومن هنا بدأت علاقتي بالكتابة تكبر، وتحولت من عادة بسيطة أمارسها في دفاتري إلى شغف، ثم إلى حلم بأن تصل كلماتي إلى الآخرين.
2 ماذا تعني لك الكتابة؟ هل تكتبين عندما تشعرين بالألم، أم تكتبين متى شعرتِ بحاجة إلى التعبير؟
الكتابة بالنسبة إليّ ليست مرتبطة بالألم وحده. قد أكتب حين أتألم، وقد أكتب حين أفرح، أو أشتاق، أو أتأمل موقفًا عابرًا، أو أشعر بأن هناك فكرة تبحث عن طريقها إلى الورق. لكنني أعتقد أن الألم له لغة خاصة، وربما لهذا السبب كانت أكثر نصوصي صدقًا هي تلك التي ولدت من لحظات شعورية عميقة. عندما أعجز عن التعبير بصوتي، أجد القلم يتحدث عني. لذلك لا أقول إنني أكتب لأنني أتألم، بل أكتب لأنني أشعر، والألم واحد من أكثر المشاعر التي تدفع الإنسان إلى البحث عن الكلمات.
3 كل شاعر يستطيع أن يكتب الخواطر، بينما ليس كل كاتب خواطر يستطيع أن يكتب الشعر، مع أم ضد؟ ولماذا؟
أنا مع هذا الرأي جزئيًا، لكنني لا أراه قاعدة ثابتة. الشعر والخواطر يلتقيان في الحس الأدبي والقدرة على التعبير، لكن لكل منهما أدواته الخاصة. الشعر يحتاج إلى معرفة بالإيقاع والصورة واللغة، وفي الشعر العمودي تحديدًا يحتاج الشاعر إلى الإلمام بالوزن والقافية. أما الخاطرة فتمنح الكاتب مساحة أوسع في البناء والتعبير، لكنها لا تعني أن كتابتها سهلة أو أنها لا تحتاج إلى موهبة. قد يكتب الشاعر خاطرة جميلة، وقد يكتب كاتب الخاطرة شعرًا جميلًا إذا امتلك الأدوات وطوّر نفسه. الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالقراءة والتجربة والتعلم هي التي تصنع الكاتب.
4 الشعر يقيد المشاعر بالقوافي، بينما الخواطر تعطي مساحة أكبر للبوح، ألهذا السبب تميلين إلى الخواطر؟
ربما كان هذا أحد الأسباب، لكن ليس السبب الوحيد. أميل إلى الخواطر لأنها تمنحني حرية أكبر في التعامل مع المشاعر والأفكار، خصوصًا عندما تكون التجربة الشعورية نفسها غير قابلة للتقييد في قالب محدد. أحيانًا تكون لديّ جملة أو صورة أو إحساس، وأشعر أنني لو حاولت إخضاعه لقافية أو وزن فسأفقد شيئًا من عفويته. لذلك وجدت في الخاطرة مساحة تشبهني، أستطيع فيها أن أترك الشعور يأخذ شكله الطبيعي. ومع ذلك، أنا لا أرى أن الشعر يقيد المشاعر، بل أرى أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يجعل الوزن والقافية جزءًا من جمال الشعور، وليس قيدًا عليه.
5 يرفض بعض الروائيين والأدباء اقتباس أفكارهم أو صورهم الأدبية، بينما يرى بعض الهواة أن الاقتباس حق مشروع، ما دام الكاتب يغير الأسلوب ويضيف أفكارا جديدة. أين تقفين بين الرأيين؟ وهل ترين فرقا بين التأثر والاقتباس والسرقة الأدبية؟ ولماذا؟
أنا ضد سرقة النصوص والأفكار والصور الأدبية، وأؤمن بأن لكل كاتب بصمته الخاصة. يمكن أن نتأثر بكاتب قرأناه، وهذا أمر طبيعي جدًا، فالكاتب ابن قراءاته وتجربته، لكن هناك فرق كبير بين التأثر والسرقة. من حق الكاتب أن يستلهم فكرة عامة ثم يبني عليها تجربته الخاصة، لكن ليس من حقه أن يأخذ جملة أو صورة أدبية مميزة أو فكرة جوهرية ثم يغير بعض الكلمات وينسبها إلى نفسه. الأدب يقوم على الحوار بين التجارب، وليس على محو أصحابها. وإذا كان الكاتب يريد أن يقتبس، فليذكر صاحب الفكرة أو النص بكل وضوح.
6 نشرتِ كتاب (آهات صامتة)، كيف جاءت فكرة كتابة هذا الكتاب؟ احكي لنا عن هذه التجربة، كيف تعايشت مع النصوص، وكم استغرقتِ من الوقت في كتابته؟
فكرة (آهات صامتة) لم تولد في يوم واحد، وإنما تشكلت مع تراكم مجموعة من الخواطر والمشاعر والنصوص التي كتبتها في فترات مختلفة. كانت هناك نصوص كتبتها لأنني شعرت بحاجة إلى إخراج شيء ما من داخلي، ثم اكتشفت مع مرور الوقت أن هذه النصوص يمكن أن تجتمع في عمل واحد. عنوان (آهات صامتة) كان قريبًا جدًا من مضمون الكتاب؛ لأنني كنت أحاول أن أعطي صوتًا لمشاعر كثيرة تبقى حبيسة داخل الإنسان ولا تجد طريقها إلى الكلام. أما علاقتي بالنصوص، فلم تكن علاقة كاتبة تكتب ثم تنتهي من الصفحة، بل كنت أعيش كثيرًا من تلك النصوص وأنا أكتبها. بعضها كان يشبه الاعتراف، وبعضها كان محاولة لفهم مشاعر معينة، وبعضها كان مجرد إحساس أردت أن أترك له أثرًا على الورق. ولم تكن كتابة الكتاب بالنسبة إليّ مرتبطة بعدد محدد من الأيام أو الأشهر بقدر ما كانت رحلة تراكمية؛ كتبت على فترات، ثم بدأت مرحلة اختيار النصوص ومراجعتها وترتيبها حتى أخذ الكتاب شكله النهائي.
7 خلف كل صمت جراح دفينة، كيف حولت الجراح إلى صمت ثم إلى كتابة؟
أعتقد أن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يواجه جراحه بالكلام. أحيانًا نصمت لأن الكلام لا يكفي، وأحيانًا نصمت لأننا لا نجد الشخص الذي يستطيع أن يفهم ما بداخلنا. لكن الصمت بالنسبة إليّ لم يكن نهاية الحكاية، بل كان بداية الكتابة. ما لم أستطع قوله للآخرين استطعت أن أقوله للورق. وما كان جرحًا في داخلي تحول مع الوقت إلى نص، ثم إلى كتاب، وربما أصبح قادرًا على لمس شخص آخر يعيش شعورًا مشابهًا. لهذا أرى أن الكتابة لا تمحو الجراح بالضرورة، لكنها تمنحها معنى، وتجعل الألم شيئًا يمكن النظر إليه بدل أن يبقى شيئًا نعيش داخله.
8 المعاناة تحول الإنسان إلى كاتب أو إلى مجرم أو إلى مناضل، كيف يمكن للإنسان أن ينتصر على الألم؟
المعاناة وحدها لا تحدد من سنصبح، وإنما الطريقة التي نختار بها التعامل معها هي التي تصنع الفرق. الألم يمكن أن يهدم الإنسان، لكنه يمكن أيضًا أن يدفعه إلى الإبداع أو المقاومة أو البحث عن معنى جديد للحياة. بالنسبة إليّ، كان القلم إحدى الطرق التي حاولت من خلالها تحويل الألم إلى شيء مختلف. لكنني لا أؤمن بأن الانتصار على الألم يعني أن ننساه، بل أن نصل إلى مرحلة لا يعود فيها الألم قادرًا على التحكم في حياتنا. أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي هو أن نقول: لقد حدث هذا، وقد آذاني، لكنه لن يحدد من أكون.
9 ما العوائق التي واجهتِها في إثبات موهبتك؟ وما نصيحتك للذين يجدون عوائق في نشر كتاباتهم وتوزيعها؟
أصعب ما يمكن أن يواجهه الكاتب في بدايته ليس دائمًا نقص الموهبة، وإنما الشك في الذات، والخوف من ألا يجد من يؤمن بما يكتب. كما أن الطريق إلى النشر والتعريف بالعمل الأدبي ليس سهلًا، خصوصًا بالنسبة للكاتب الذي يبدأ من الصفر. لكنني تعلمت أن الإنسان لا يستطيع أن ينتظر موافقة الجميع حتى يبدأ. هناك دائمًا من سيحب ما تكتب، ومن سينتقده، ومن لن يهتم به أصلًا. المهم ألا تجعل رأي الآخرين هو المقياس الوحيد لقيمة تجربتك. نصيحتي لكل من يكتب أن يقرأ كثيرًا، ويكتب باستمرار، ويقبل النقد الذي يساعده على التطور، وألا يستعجل النشر قبل أن يمنح نصه حقه من المراجعة. والأهم: لا تجعل صعوبة الطريق سببًا للتخلي عن حلمك.
10 في نظرك، لماذا اتجه بعض الروائيين والروائيات إلى كتابة الروايات الرومانسية؟ ما السبب الذي يجعلها تحقق انتشارًا أكثر من الروايات الاجتماعية؟هل لأننا نعاني من وجع الحب، أم من الحاجة إلى الحب، أم من الهروب من الواقع المعاش إلى الأحلام البيضاء؟
أعتقد أن السبب مزيج من كل ذلك. الحب موضوع إنساني لا يرتبط بعمر أو بلد أو ثقافة معينة، ولذلك يستطيع القارئ أن يجد نفسه بسهولة في الرواية الرومانسية. نحن نعيش في عالم مليء بالضغوط والمشكلات، وربما تمنح الرواية الرومانسية للقارئ مساحة مؤقتة للهروب من واقعه، أو لاستعادة حلم فقده، أو حتى لمواجهة تجربة عاطفية عاشها من قبل. لكنني لا أعتقد أن انتشار الرواية الرومانسية يعني أن القارئ لا يهتم بالقضايا الاجتماعية. أحيانًا تكون الرواية الرومانسية نفسها وسيلة للحديث عن قضايا أعمق: الأسرة، والطبقات الاجتماعية، والاختيارات، والقيود، والمرأة، والسلطة، وحتى نظرة المجتمع إلى الحب.
11 هل أنتِ مع القلم النسوي الذي ينتقد الرجال في الروايات والمقالات، ويصور الرجل على أنه رجعي، يسجن المرأة في قفص، ويواعد حبيبته ثم يتخلى عنها ليتزوج فتاة محافظة اختارتها أمه؟
أنا مع الكتابة التي تدافع عن المرأة وحقوقها، لكنني لست مع الكتابة التي تجعل الرجل عدوًا لمجرد أنه رجل. الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى شيطنة طرف من أجل الدفاع عن طرف آخر. إذا كانت هناك ممارسات ظالمة تجاه المرأة، فمن حق الكاتبة أن تنتقدها وتفضحها، لكن من المهم أن يكون النقد موجهًا إلى السلوك والفكر والمجتمع، لا إلى جنس كامل. كما أن المرأة ليست دائمًا ضحية، والرجل ليس دائمًا جلادًا. هناك رجال يقفون إلى جانب المرأة ويدعمونها، وهناك نساء قد يساهمن، عن قصد أو غير قصد، في تكريس بعض القيود المفروضة على النساء. أحب القلم النسوي الذي يمنح المرأة صوتًا، لكنني أحب أكثر القلم الذي يبحث عن الحقيقة والعدالة، حتى عندما تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد (رجل ظالم وامرأة مظلومة).

Loading...