المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
لم تعد المسألة مجرد كوفية فلسطينية سقطت من يد مطربة، ولا مجرد لقطة عابرة يمكن اختزالها في ثوانٍ من الاستعراض. تعليق داود الشريان فتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً وقسوة ماذا بقي من الرموز التي حملها العربي طويلاً باعتبارها جزءاً من ذاكرته وكرامته وهويته؟
الكوفية ليست قطعة قماش ترتدى ثم ترمى متى انتهى دورها أمام الكاميرات. إنها في الوجدان العربي رمز لفلسطين، وللأرض، وللصمود، ولذاكرة شعب دفع ثمناً باهظاً من أجل هويته وحقه في الحياة.
لكن القضية تتجاوز الكوفية ذاتها. فالإنسان ابن بيئته يحمل ثقافته في لباسه، ولهجته، وعاداته، وتقاليده، وحتى في جواز سفره الذي يختصر انتماءه القانوني والوطني. وحين ينظر إلى هذه الرموز باستخفاف، فإن الأمر لا يصبح مجرد اختلاف في الذوق، بل قد يتحول إلى مساس بمعنى أعمق
كرامة الإنسان وهويته وحقه في الاعتزاز بجذوره.
الزي التقليدي ليس زينة موسمية، ولا إكسسواراً يُستدعى حين تقتضي الصورة ذلك.
إنه بطاقة مرور ثقافية، وشاهد حي على تاريخ الأجداد، وذاكرة متوارثة لا يجوز التعامل معها كسلعة قابلة للاستهلاك ثم الإلقاء.
ومن هنا، فإن الغضب الشعبي تجاه مشهد الكوفية لا ينبغي أن يتحول إلى حملة شخصية ضد فنانة أو مطربة؛ بل يجب أن يكون مناسبة لطرح سؤال جاد هل تحولت الرموز العربية إلى ديكور للاستهلاك الإعلامي، بعدما كانت ذات يوم عنواناً للانتماء والكرامة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط الكوفية من اليد، بل سقوط معناها من الوجدان.
ففلسطين ليست صورة تلتقط، ولا كوفية ترتدى لدقائق، ولا شعاراً يرفع عندما تكون الكاميرات مشتعلة.
فلسطين قضية وذاكرة وهوية وجرح مفتوح في الضمير العربي.
ومن يستخف برمز ثقافي أو وطني، عليه أن يدرك أن الرموز لا تسقط وحدها
قد تسقط معها هيبة الذاكرة، ويُفتح الباب أمام جيل لا يعرف لماذا كان أجداده يتمسكون بما يرتدون، وما يقولون، وما يحملون.
الرسالة هنا واضحة
احترموا ثقافات الناس وهوياتهم ورموزهم، لأن كرامة العربي ليست ثوباً يُخلع عند باب الشهرة، ولا جواز سفر يُغلق عند باب المصالح.
إنها ذاكرة وهوية وانتماء
ومن يعبث بها، يعبث بما هو أعمق بكثير من مجرد قطعة قماش.
