نزار لعرج : أكتب لأنني لا أعرف نفسي بلا كتابة

المغربية المستقلة  : حاورته منال بوشتاتي

لكل مبدع حكاية تستحق أن تُروى، ولكل مجتهد جائزة تليق بجهده.
ونزار لعرج ناقد وشاعر وقاص مغربي؛ مزج بين الإبداع والاجتهاد والكفاح. بدأت علاقته بالكتابة في سن مبكرة، فكتب أولى قصائده الشعرية.

عشقه للنقد دفعه إلى دراسته أكاديميا،فتعمق في البنية اللغوية وخصائص السرد والتأويل.
كما أسس مجلة (هارموني الحروف) بهدف نشر الأدب وتوسيع دائرة القراءة، وشارك في عدد من المشاريع الثقافية التي تهتم بالأدب والمبدعين.
في هذا الحوار على جريدة (المغربية المستقلة) نسافر مع المبدع نزار إلى ذكرياته مع الكتابة، ونتوقف عند محطة التدريس، مرورا بالنقد والقصة وتجربته في تأسيس مجلة (هارموني الحروف)؛ ونحاوره أيضا حول ظاهرة النشر الثقافي في السوشيال ميديا.
حوار يكشف لنا سحر الكلمات والمعنى الحقيقي للإبداع، ورؤية نزار للمشهد الأدبي .
1 لكل شاعر ملهمة وقصة طويلة؛ كم كان سنك عندما بدأت كتابة الشعر؟ وهل تذكر أول قصيدة كتبتها؟
بداية، أتوجّه بكامل الشكر والامتنان للأستاذة الصحافية منال على هذه الاستضافة الأنيقة، وعلى هذه الأسئلة التي تستكنه أغوار التجربة وتستفز مكامن الشغف.
أما عن الكتابة، فأحسب أنها لا تبدأ في لحظة محددة بقدر ما تبدأ حين يشعر الإنسان للمرة الأولى أن اللغة تستطيع أن تقول عنه ما يعجز هو عن قوله مباشرة. بدأت علاقتي بالأدب في سن مبكرة، في مرحلة المراهقة، وقبل ذلك بكثير، كنت أجمع قصاصات الجرائد والمجلات، أحيانا أستعير قولة كاتب لأضعها معها، وأحيانا أخربش بنفسي. أما القصيدة الأولى، فتظل فتيلة لم تخل من السذاجة الأسلوبية، لكنها حملت النواة الأولى للانشغال باليقين والشك والبحث عن الإيقاع.
2 أنت أستاذ للغة العربية وتعتبر قدوة لتلاميذك. متى بدأ شغفك بالتعليم؟ ولماذا اخترت دراسة اللغة العربية بالتحديد؟ وهل تشجع تلاميذك على الكتابة؟
شغفي بالتعليم ارتبط منذ البداية بشغفي باللغة العربية. اخترت دراسة اللغة العربية وآدابها بعد الباكالوريا الفيزيائية التي حصلتُ عليها لأنني شعرت بذبذبات عالمها الواسع، وكان الاختيار انحيازا لجمالياتها الهائلة وعمقها الفكري والتركيبي؛ فهي نظام تفكير ورؤية متكاملة للوجود.
وأعتقد أن الأستاذ ينبغي أن يساعد المتعلم على اكتشاف قدرته الخاصة. لذلك أشجع تلاميذي على الكتابة، حتى لو كانت محاولاتهم الأولى بسيطة أو مرتبكة. فالكاتب لا يولد مكتملا؛ الكتابة نفسها هي التي تصنع الكاتب. وأتمنى أن يكون حضور الأستاذ في حياة تلاميذه محفزا على السؤال والتجريب، لا سببا في الخوف من الخطأ.
3 لديك دراسات نقدية منشورة في عدد من المجلات والصحف. متى بدأ شغفك بالنقد؟ وما المجالات التي تستهويك أكثر: النقد السينمائي أم الأدبي؟ ولماذا؟
بدأ اهتمامي بالنقد بعد اهتمامي بالكتابة الإبداعية. إذ تجاوزت التلقي الانفعالي للنص إلى غاية البحث في آلياته وبنيته التحتية ولاوعيه النصي. يستهويني النقد الأدبي بالدرجة الأولى، بحكم تكويني الأكاديمي ولأنه يتيح الغوص في البنيات اللغوية والسردية والتأويل، وإن كان النقد السينمائي يتقاطع معه في تحليل الصورة والعلامات السيميائية والأنساق البصرية.
4 في كتابتك يطغى الطابع الفكري على الشعوري. هل لأنك تميل إلى النقد والتحليل أكثر؟ أم أنك مفكر أكثر مما أنت شاعر؟
لا أعتقد أن هناك تعارضا حقيقيا بين الفكر والشعور. ربما يبدو الطابع الفكري حاضرا في كتابتي لأنني أفكر بالكتابة، كما لا أستطيع فصل القصيدة عن الأسئلة التي تشغلني. حتى عندما أكتب عن الحب أو الفقد أو الحنين، فإنني أميل إلى تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال أوسع يتعلق بالإنسان والوجود والذاكرة والزمن.
لا أحب أن أضع نفسي في هذه المفاضلة. أنا أكتب لأنني لا أعرف نفسي بلا كتابة، أحيانا تأتي الفكرة في صورة قصيدة، وأحيانا في صورة قصة، وأحيانا في صورة دراسة نقدية. ولعل ما يجمع هذه الأشكال كلها هو محاولة فهم الإنسان والعالم باللغة، فالأدب هو صياغة موحية لتجربة بشرية كما حدثنا محمد مندور
5 أنت مؤسس ومدير نشر مجلة “هارموني الحروف” الإلكترونية. ما نصيحتك لبعض الشباب الذين يجدون صعوبة في تأسيس مجلة؟
نصيحتي الأولى هي ألا يبدؤوا بالمجلة قبل أن يعرفوا لماذا يريدون تأسيسها. المشكلة ليست في إنشاء موقع أو صفحة إلكترونية، فذلك أصبح متاحا للجميع، وإنما في بناء مشروع ثقافي له رؤية واضحة وهوية تحريرية.
المجلة تحتاج إلى فريق، واستمرارية، وخطة تحرير، واحترام للكاتب والقارئ، وقدرة على تحمل العمل الذي لا يراه الجمهور. وأقول دائما: لا تنتظر أن تكون لديك الإمكانات المثالية. ابدأ بما تملك، ثم طور المشروع تدريجيا. الأهم أن تكون لديك فكرة تستحق أن تستمر، لا مجرد رغبة في امتلاك اسم مجلة.
6 كيف جاءت فكرة تأسيس المجلة؟ ولماذا اخترت لها اسم “هارموني الحروف”؟
جاءت الفكرة من حاجة شعرت بها إلى فضاء يجمع الكتاب والمبدعين الشباب، ويمنح النصوص التي تستحق القراءة فرصة للظهور.
أما اسم هارموني الحروف، فقد أحببت فيه فكرة الانسجام. الحروف منفردة تبدو عناصر صغيرة، لكنها حين تنتظم في كلمات وجمل ونصوص تستطيع أن تصنع عالما كاملا. والمجلة في جوهرها محاولة لصناعة هذا الانسجام بين الأصوات المختلفة: الشاعر والروائي والناقد والباحث والقاص والقارئ.. واهتمامها الأكبر بالإيقاع الكامن خلف الكلمات.
7 أنت عضو تحرير في جريدة (فاص) وعضو في الصالون السيميائي للثقافة والأدب والإعلام. كيف توفق بين هذين العملين وبين الكتابة والإبداع والتدريس؟
التوفيق ليس سهلا، ولا أظن أنني أستطيع القول إنني نجحت فيه دائما. هناك فترات تتقدم فيها الكتابة، وفترات يأخذ فيها العمل الثقافي أو التربوي وقتا أكبر. لكنني أتعامل مع هذه المجالات باعتبارها متكاملة أكثر من كونها متعارضة.
التحرير يعلمني الانضباط، والنقد يعلمني القراءة، والتدريس يضعني أمام مسؤولية تبسيط المعرفة وتحويلها إلى تجربة قابلة للمشاركة، بينما تمنحني الكتابة مساحة شخصية لا أستطيع الاستغناء عنها. لذلك أحاول أن أجعل كل مجال يغذي الآخر بدل أن ينافسه.
8 بعض القصاصين يكتبون بطريقة تلقائية، بينما يضع آخرون برنامجا يوميا للكتابة. أين تجد نفسك؟
أجد نفسي في منطقة وسطى بين الاثنين. هناك أفكار تأتي فجأة، وقد تكون شرارة القصة كلها، لكنني لا أتركها تسير وحدها إلى النهاية. عندما تستقر الفكرة أبدأ في الاشتغال عليها، وأعيد النظر في بنية القصة والشخصيات واللغة والإيقاع.
أحيانا تكتبني الفكرة بسرعة، وأحيانا أحتاج إلى وقت طويل حتى أجد الشكل المناسب لها. لذلك لا أؤمن كثيرا بفكرة أن الكاتب إما عفوي تماما أو مخطط تماما. الكتابة في رأيي مزيج من الانفجار الأول للفكرة والعمل الهادئ الذي يأتي بعده.
9 تم اختيارك عضوا محكما في لجنة تقييم المشاركات في مخيم (كتاب الزيتون) للكتابة الإبداعية. حدثنا عن هذه التجربة، وما المعايير التي اعتمدتها اللجنة في تقييم الكتابات؟
كانت تجربة مهمة بالنسبة إليّ، لأنها تنقل الكاتب من موقع إنتاج النص إلى موقع قراءته بعين مختلفة. عندما تقرأ نصا بصفتك كاتبا قد تنجذب إلى فكرته أو لغته، لكن عندما تقرأه بوصفك محكما تصبح مطالبا بأن تكون أكثر إنصافا وموضوعية.
ركزنا في التقييم على مجموعة من العناصر، من بينها أصالة الفكرة، والقدرة على بناء النص، وتماسكه، وجودة اللغة، وفاعلية السرد أو الصورة الشعرية بحسب الجنس الأدبي، إضافة إلى قدرة الكاتب على تقديم صوت خاص به. والأهم بالنسبة إليّ كان أن أشعر بأن وراء النص كاتبا يحاول أن يقول شيئا بطريقته الخاصة، أقيس حتى الشعور الذي نفخه الكاتب في نصه، فلا أبحث عن نص جيد الصياغة لكنه يشبه عشرات النصوص الأخرى لأزكيه.
10 قديما كان البعض يقتبسون أفكارا أو يسرقون نصوصا جاهزة، أما اليوم فأصبح البعض يستخدم الذكاء الاصطناعي في توليد القصائد والمقالات والقصص. هل الظاهرة ناتجة عن الهوس بالشهرة أم عن رغبة في الوصول السريع إلى الكتابة دون عناء الإبداع؟
الظاهرة ناتجة عن الرغبة في الوصول السريع والهوس بالتحقق الظاهري. التكنولوجيا أداة مجردة، واستخدامها لتوليد نصوص كاملة يفرغ الفعل الإبداعي من مكابدتـه الروحية والفكرية، ويُنتج نصوصا بلا روح ولا تجربة إنسانية حقيقية، فتتحول الكتابة من تجربة وجودية إلى عملية تجميع خوارزمية. الكتابة تجربة وذاكرة وموقف ورؤية وصوت. وهذه الأشياء لا يمكن اختصارها في زر.
11 في زمن السوشيال ميديا أصبح من هب ودب شاعرا وكاتبا وفيلسوفا، بينما لا تلقى كتابات المبدعين الحقيقيين الانتشار نفسه. هل يرجع ذلك إلى أزمة ثقافية أم إلى اهتمام القراء بالمواضيع المستفزة أكثر من قيمة النص؟
أعتقد أن المسألة تتعلق بالأمرين معا، لكن علينا أن ننتبه إلى طبيعة المنصات الرقمية نفسها. وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ غالبا المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة، وليس بالضرورة المحتوى الأكثر عمقا. لذلك قد ينتشر نص ضعيف لأنه استفزازي أو عاطفي أو يلامس ترندا معينا، بينما يحتاج نص أدبي عميق إلى قارئ أكثر صبرا. وهذا لا يعني أن الجمهور فقد ذائقته بالكامل، وإنما يعني أن آليات الوصول إلى الجمهور تغيرت. أما الأزمة الثقافية الحقيقية فتظهر عندما يبدأ الكاتب نفسه في تغيير كتابته فقط من أجل الانتشار. بالنسبة إليّ، الشهرة نتيجة محتملة للكتابة، لكنها لا ينبغي أن تكون معيارا لقيمتها.
12 ما نصيحتك للمواهب الذين فقدوا الأمل في نشر وتوزيع رواياتهم ودواوينهم الشعرية؟
أقول لهم: لا تجعلوا الناشر أو المبيعات يحددون قيمتكم ككتاب. اقرأوا أكثر مما تكتبون، واكتبوا أكثر مما تنشرون، ولا تستعجلوا تقديم النص إلى العالم قبل أن يمنح نفسه الوقت الكافي للنضج. وفي الوقت نفسه، لا تنتظروا الفرصة المثالية. ابحثوا عن المسابقات والمنصات الثقافية والمجلات والفعاليات، وابنوا علاقتكم بالقراء تدريجيا. المراهنة يجب أن تكون دائما على جودة النص وعمقه. النص الجيد يحفر مجراه في النهاية ويفرض نفسه على الزمان والقراء.
13 كلمة أخيرة توجهها إلى القراء والكتاب والمواهب.
أقول للقراء: لا تجعلوا سرعة العصر تسرق منكم متعة القراءة. كونوا حراسا للجمال والذوق الرفيع.
وأقول للكتاب والمواهب: لا تستعجلوا القطاف، فالمكابدة هي التي تصنع الأثر الباقي، والكلمة الصادقة هي الوحيدة التي تتحدى النسيان.

Loading...