المغربية المستقلة : متابعة رشيد ادليم
بينما كانت آلاف الجماهير تتدفق نحو ساحة الأمل ومسرح الهواء الطلق، وتتردد أصداء الموسيقى في سماء المدينة مع انطلاق الدورة الحادية والعشرين لمهرجان تيميتار، كان هناك عالم آخر ينبض بالحركة، بعيدا عن منصات العرض وعدسات الجمهور. إنه عالم لا تُسمع فيه الأغاني، بل أصوات أجهزة الاتصال، ولا تُسلط عليه الأضواء، لكنه يصنع في صمت أحد أهم أسباب نجاح هذه التظاهرة.
داخل قاعة القيادة والتنسيق التابعة لولاية أمن أكادير، لا مكان للارتجال. عشرات الشاشات العملاقة تحيط بالقائمين على المراقبة من كل جانب، تعرض في آن واحد صورا حية لشوارع المدينة وساحاتها ومحاورها الرئيسية. على كل شاشة قصة مختلفة، لكن جميعها تلتقي في هدف واحد: أن تبقى المدينة آمنة، وأن يصل كل زائر إلى وجهته ويغادرها في ظروف عادية.
الهدوء الذي يخيم على القاعة خادع. فخلفه إيقاع عمل متسارع لا يتوقف. فجأة يقطع رنين أحد خطوط النجدة الصمت. في ثوانٍ معدودة، يلتقط أحد الموظفين المكالمة، يصغي باهتمام، يدون المعطيات الأساسية، ثم يرفع نظره نحو الشاشات. وفي اللحظة نفسها يبدأ البحث عن موقع الاتصال، بينما تنتقل المعلومات إلكترونيا إلى المسؤول عن التدبير العملياتي.
لم تمض سوى لحظات حتى تظهر على إحدى الخرائط الرقمية أقرب دورية أمنية من مكان الواقعة. تصدر التعليمات عبر شبكة الاتصال اللاسلكية، وتتحرك الدورية فورا نحو الموقع، فيما تواصل القاعة متابعة مسارها على الشاشات لحظة بلحظة. لا شيء يترك للصدفة؛ كل ثانية محسوبة، وكل قرار يُبنى على معطيات دقيقة تصل في الزمن الحقيقي.
وفي ركن آخر من القاعة، تلتقط إحدى كاميرات المراقبة كثافة غير اعتيادية في محيط ساحة الأمل. لا ينتظر الفريق وصول شكايات أو بلاغات، بل يُعاد توزيع الدوريات بشكل استباقي لتسهيل حركة الجماهير وضمان انسيابية الولوج والخروج. هنا، تتحول الصورة إلى قرار، والقرار إلى تدخل ميداني في غضون لحظات.
وخارج أسوار القاعة، كان المشهد مختلفا تماما. آلاف المتفرجين يستمتعون بالعروض الفنية التي أحياها الفنان L’Artiste والفنانة نجاة اعتابو والفنانة الموريتانية المعلومة، دون أن يدركوا أن خلف هذا الهدوء منظومة متكاملة تراقب أدق التفاصيل، وتنسق بين مختلف الوحدات الأمنية المنتشرة في الميدان.
وتعتمد هذه المنظومة على شبكة واسعة من كاميرات المراقبة الحضرية، إلى جانب نظام متطور لتدبير الاتصالات الواردة عبر خطوط النجدة، ما يسمح بالتحقق الفوري من المعلومات، وتقييم مستوى التدخل المطلوب، وتوجيه أقرب الوحدات الأمنية إلى عين المكان، في أقصر وقت ممكن.
ومع مرور ساعات السهرة، لا تتراجع وتيرة العمل داخل القاعة. اتصال يرد، وصورة تُلتقط، ورسالة لاسلكية تُبث، ودورية تتحرك، فيما تظل العيون مثبتة على الشاشات، تراقب المدينة وكأنها لوحة واحدة متحركة. لا أحد يصفق هنا، ولا تُرفع الهواتف لتوثيق اللحظات، لكن الجميع يدرك أن نجاح المهرجان يبدأ من هذا المكان.
وعندما تنطفئ أضواء المنصات ويغادر الجمهور فضاءات العروض، لا ينتهي العمل داخل قاعة القيادة والتنسيق. فالشاشات تبقى مضاءة، وأجهزة الاتصال تظل مفتوحة، والعناصر الأمنية تواصل أداء مهامها حتى يعود آخر زائر إلى وجهته بأمان. إنها غرفة عمليات لا تنام، تعمل بصمت، لكن أثرها ينعكس في كل شارع من شوارع أكادير، لتؤكد أن الأمن ليس مجرد حضور في الميدان، بل منظومة يقظة، تبدأ من خلف الشاشات وتنتهي بابتسامة زائر غادر المهرجان مطمئنا.
