المغربية المستقلة : يوسف حسن
كلما مرّ الوقت على الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان والكيان الإسرائيلي، اتسعت الفجوة بين الرواية الرسمية التي تروّج لها السلطة اللبنانية وبين الوقائع السياسية والميدانية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون عن “انتزاع اعتراف إسرائيلي بعدم وجود أطماع في الأراضي اللبنانية”، تصدر عن كبار المسؤولين الإسرائيليين مواقف تكاد تنسف هذا الادعاء من أساسه.
فبنيامين نتنياهو أعلن بوضوح أن قوات الاحتلال ستبقى في جنوب لبنان “طالما دعت الحاجة”، فيما أكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الانسحاب ليس مطروحاً، بل تحدث صراحة عن إقامة حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية. وترافقت هذه التصريحات مع تقارير عن دخول مستوطنين إلى مناطق حدودية لبنانية في ظل استمرار الاحتلال لأجزاء من الجنوب. وعليه، يبرز سؤال بديهي: إذا كانت إسرائيل لا تملك أطماعاً في لبنان، فكيف يمكن تفسير هذه المواقف والإجراءات؟
غير أن الإشكالية لا تتعلق فقط بمضمون الاتفاق، بل أيضاً بالمسار الذي قاد إليه. فشريحة واسعة من المعترضين ترى أن لبنان لم يدخل المفاوضات من موقع الندّية، بل من موقع الطرف الخاضع للضغوط الخارجية والإملاءات السياسية. وفي هذا السياق، تكتسب مواقف وليد جنبلاط أهمية خاصة، عندما وصف الاتفاق بأنه أحادي الجانب ومفروض من قبل إسرائيل على فريق لبناني في الداخل والخارج. وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه لا يحمّل المسؤولية للفريق المفاوض فحسب، بل يطاول أيضاً الجهة السياسية التي أدارت العملية التفاوضية واتخذت قرار السير بها.
ويزداد الجدل مع استمرار الصمت الرسمي اللبناني إزاء التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن بقاء الاحتلال. فإذا كان الاتفاق يكرّس السيادة اللبنانية كما يقال، فلماذا لا تواجه الدولة هذه التصريحات بحزم؟ وإذا كان الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من التفاهمات، فلماذا يتحدث قادة الاحتلال بثقة عن استمرار وجودهم العسكري داخل الأراضي اللبنانية؟
على المستوى الإقليمي، تبدو القضية اللبنانية أبعد من مجرد اتفاق ثنائي. فالتصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي ربط فيها أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة بتنفيذ البند المتعلق بلبنان وانسحاب إسرائيل من الجنوب، تؤكد أن ملف لبنان ما زال جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، وأن مسألة الاحتلال لم تُحسم بعد كما يحاول البعض الإيحاء.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري يندرج في إطار تسوية تنهي النزاع بقدر ما يعكس محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب. والخشية الكبرى تكمن في أن يتحول الاحتلال من حالة مؤقتة يُفترض إنهاؤها إلى واقع يجري التفاوض على شروط استمراره، فيما تُقدَّم هذه العملية للرأي العام على أنها إنجاز سياسي أو خطوة نحو السلام.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، كما أثبتت تجارب المنطقة، أن الضمانات اللفظية لا تساوي شيئاً أمام الحقائق الميدانية. ولذلك يبقى المعيار الحقيقي للحكم على أي اتفاق واضحاً وبسيطاً: هل انتهى الاحتلال أم لا؟ ما دام الجواب سلبياً، فإن الحديث عن انتصار دبلوماسي أو عن تثبيت للسيادة اللبنانية سيبقى أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الواقع الفعلي على الأرض.
