كيف سيبدو الاقتصاد العالمي بعد جائحة فيروس كورونا؟

المغربية المستقلة : بقلم د / بن الحبيب عادل

متابعة: ابراهيم مهدوب

. هل سيغير هذا الوباء النظام الاقتصادي والمالي العالمي إلى الأبد؟ فبعد أسابيع عدة من عمليات الإغلاق، والخسائر المأساوية في الأرواح، وإغلاق جزء كبير من الاقتصاد العالمي، تدور في أذهاننا هذه الأسئلة، ونتساءل: هل ستتم إعادة فتح الأعمال وسنعود الى وظائفنا؟ هل سنسافر مرة أخرى؟ هل سيكون تدفق الأموال من البنوك المركزية والحكومات كافياً لمنع حدوث ركود عميق ودائم في الاقتصاد العالمي، أم أن هناك ما هو أسوأ؟ وفي خضم هذه التساؤلات هناك أمر مؤكد: سيؤدي الوباء إلى تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية بطرق لن تظهر إلا لاحقاً.
أسئلة كثيرة تدور في أذهنة الناس حول التغيرات المحتملة وماذا سيحدث للعالم بعد أزمة كورونا؟ وهل ستتغير أولويات الناس والمجتمعات بعد تجاوز المحنة. أزمة كورونا خلفت خسائر بشرية واقتصادية كبيرة في كل أصقاع الدنيا ومنعت التنقل وحبست الملايين في بيوتهم وفرضت التباعد عوضا عن التقارب.
يذهب العديد من المفكرين والعلماء والخبراء وأصحاب القرار وهم يستحضرون الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة التي نجمت عن انتشار الوباء ويخططون أيضا لضمان “حقهم” في رسم مصائر الأمصار وتأبيد سيطرتهم الى أن العالم ما قبل كورونا لن يكون هو عالم ما بعد كورونا وأن جملة من التغييرات ستعيد رسم ملامحه بشكل جذري…. رغم ان أعداد الوفيات لم تتجاوز مثلا الانفلونزا الاسبانية التي حصدت أرواح ما يناهز 100 مليون نسمة وأصيب بها ما يقارب 500 مليون.
لقد تعطل حوالي 20 مليون شخص عن العمل في الولايات المتحدة والصين، وانهارت أسواق النفط، وتم إغلاق قطاعات بأكملها.. وهي شؤون كان يبدو من المستحيل التفكير في احتمال حدوثها، ولكنها أصبحت الآن واقعا ملموسا.
كان يبدو أن حدوث كارثة فادحة مثل هذه أمر بعيد عن التصور، ولكن ها نحن ذا في مواجهة واقع أن فيروساً حجمه أقل 400 مرة من قطر شعرة في رأس إنسان، فضح بقسوة وبلا رحمة جوانب الضعف في الاقتصاد العالمي. وستشكل هذه الكارثة فاصلاً بين العالم الذي نعرفه وعالَم قادم آخر.

كلنا يريد النجاة من الجائحة، نعيش في خوف ورعب، وننتظر نهاية الأزمة الكابوس. ولكن على ماذا سوف نستفيق في اليوم التالي، إذا صحّ التعبير، بعد مواجهة الوباء؟ وفقا لمنظمة العمل العالمية، فإننا سنجد أنفسنا، حتى قبل زوال خطر كورونا، أمام شبح الفقر والبطالة وانهيار أنظمة اقتصادية، فالمنظمة تتوقع أن يفقد العالم 195 مليون وظيفة دوام كامل، منها خمسة ملايين في العالم العربي، أي أننا سوف ننتقل إلى مسلسل رعب، فوحش الفقر ليس أقل فتكا من فيروس كورونا.
يتحدث مفكرون عن قيام عالم دولي جديد، وعن إمكانية خسارة الولايات المتحدة مكانتها قوة عظمى لصالح الصين، ولذا نرى أن جزءا مهما من “المعركة” لإيجاد لقاح ودواء لهزيمة كورونا ، فالأولوية هي الحفاظ على الهيمنة. ونقرأ مقالاتٍ كثيرة عن كيفية الحفاظ على “النموذج الديمقراطي” واقتصاد السوق لإنقاذ العالم، أي إنقاذ النظام الاقتصادي العالمي. وتقتصر معظم دعوات التغيير على ضخ الأموال في السوق والصناعات الكبيرة والمؤسسات لمنع انهيار اقتصادي، والدخول في كساد أسوأ من أي أزمة اقتصادية في التاريخ الحديث.هناك اعتراف بفشل النظام القائم، وضرورة إحداث تغييرات من دون أن تكون جذرية،
الأمل أن التجربة الصعبة قد تدفع الجميع في العالم ا إلى العودة إلى مشاريع منسية لتحقيق تكامل اقتصادي”اعتراف مهم بأن النظام السياسي الاقتصادي العالمي لا يمكنه البقاء كما هو، فالجائحة وجّهت ضربة، قد تكون قاصمة، إلى أغلب القطاعات، فيما عدا صناعات الأدوية ومواد التعقيم، وإلى حدّ ما الغذاء والزراعة، ما يعني جيوشا من العاطلين عن العمل، مع ما يعنيه ذلك من غضب وفقر ويأس وانهيار مجتمعي وقلاقل سياسية.
وقد أدى الانهيار الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى كبح جماح اقتصاد السوق، وإلى أن تستعيد الدولة جزءا من مسؤولية الرعاية الاجتماعية، وهو النموذج الذي وضعه الاقتصادي جون مانارد كينز، وسمّي الصفقة الجديدة، واستمر إلى أوائل الثمانينيات، حين قادت إدارتا الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في بلديهما هجمة منظمة لتدميرها لصالح اقتصاد السوق، ولذا ثمّة دعوات كثيرة الآن إلى العودة إلى منظومة الضمان الاجتماعي لحماية فئات واسعة من الانهيار الاقتصادي.
مصيرنا لا تحدده جائحة كورونا على عدوانيتها، بل نظام ينهار ويريد أن يتشبث بسيطرته، فالولايات المتحدة لا تريد أن تقبل أنها قد لا تستمر في صدارة نظام العولمة، ولكن جائحة كورونا كشفت حدود قوتها. يقول المفكر جوزيف ناي، وهو منظر ما يسمّى استعمال “القوة الناعمة”، إن خطر الوباء واستفحاله أثبتا أن الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها أن تحافظ على أمنها، بل تحتاج إلى المشاركة والتعاون مع الآخرين. وعليه، يدعو ناي إلى ضرورة إيجاد استراتيجية جديدة، فلن تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار بتعريف قوتها بسيطرتها على شعوب أخرى، بل بمشاركة هذه القوى مع الشعوب الأخرى، خصوصا في مواجهة الأخطار العابرة للحدود، مثل الجوائح والتغيير المناخي. ولا يوضح ناي آلية هذه المشكلة، وإن كان لدول الجنوب أو للأمم المتحدة دور في محاولة إنتاج مفهوم قوة جديدة، لكن ذلك أيضا اعترافٌ مهمٌّ بفشل استراتيجية هيمنة القوة الواحدة.

ولكن هل سنعيد ترتيب أولوياتنا؟
لا أحد ينكر أن السياسات العمومية و حتى الخاصة ستتغير وفق أولويات جديدة ولكن هذا ليس أمرا بديهيا اذ يقتضي أن يكون لنا الذكاء الخاص لاستخلاص الدروس .. فالأغبياء قد يعودون للجحر لمزيد اللدغ . هذا يتوقف على الذكاء والإرادة و القدرة .. أحيانا تشعر أنك أمام درس بليغ ولك رغبة أكيدة في ترتيب الأولويات ولكن تفتقد القدرة والجدارة في إعادة ترتيب الأولويات وتوفير ما يقتضيه ذلك من اجماع و كفاءات وموارد .. هذه المسألة مهمة لأنها لا تجعل ترتيب الأولويات مسألة إرادة أي نزعة ارادوية بل إمكانيات و موارد وذكاء وقدرة على إدارة التغيير conduite de changement وبقطع النظر عن المبادرات الوطنية في إعادة ترتيب الأولويات على ضوء ما ذكرت سابقا فانه يمكن أن نقدم تجريدا خالصا لهذه الأوليات التي بدت واضحة للجميع,:

– معالجة الأنظمة الصحية حتى تكون أكثر جدوى و كفاءة وعدالة

– الاهتمام بالاقتصاد الرقمي تكيفا مع درس التباعد الجسدي

– العناية بالبحث العلمي

– إعادة الاعتبار للفلاحة وأنظمة الغداء و الطبيعة

– تطوير سياسات المدينة والعمران والتخطيط غير اني أعتقد أن الاهتداء الى هذه الأولويات لن يكون متاحا للجميع وربما ستكون للحركات الاحتجاجية النضالات الاجتماعية و الايكولوجية دور في فرض الأولويات تلك؟.

_________________________________________________

موقع المغربية المستقلة يدعو متتبعيه للإلتزام واتباع التعليمات و التدابير الإحترازية التي اتخذتها السلطات طوال فترة الطوارئ الصحية ، والتي لم تنتهي بعد حفاظا على سلامتكم و سلامة البلد ” بقاو في ديوركم”.

 

Loading...